[1016] «1» فإن قيل: كيف قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [الحجرات: 1] والمراد به نهيهم أن يتقدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقول أو فعل، لا أن يقدموا غيرهم؟
قلنا: قدم هنا لازم بمعنى تقدم كما في قولهم بين وتبين، وفكر وتفكر، ووقف وتوقف، ومنه قول الشاعر:
إذا نحن سرنا سارت الناس خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
أي توقفوا، وقيل معناه: لا تقدموا فعلا قبل أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
[1017] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) [الحجرات: 2] ، بعد قوله: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) [الحجرات: 2] .
قلنا: فائدته تحريم الجهر في مخاطبته صلّى الله عليه وسلّم باسمه نحو قولهم يا محمد ويا أحمد، فهو أمر لهم بتوقيره وتعظيمه صلّى الله عليه وسلّم في المخاطبة، وأن يقولوا يا رسول الله ويا نبي الله ونحو ذلك، ونظيره قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) [النور: 63] .
[1018] فإن قيل: كيف قال: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ) [الحجرات: 2] ، أي مخافة أن تحبط أعمالكم؛ مع أن الأعمال إنما تحبط بالكفر لا بغيره من المعاصي، ورفع الصوت في مجلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليس بكفر؛ كيف وقد روي أنّ الآية نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لما رفعا أصواتهما بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهوري الصوت، فربما تأذى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بصوته؟
قلنا: معناه لا تستخفوا به، فإن الاستخفاف به ربما أدى خطؤه إلى عمده، وعمده كفر يحبط العمل. وقيل: حبوط العمل مجاز عن نقصان المنزلة وانحطاط المرتبة.
[1019] فإن قيل: ما وجه الارتباط والتعلق بين قوله تعالى: (وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ) [الحجرات: 7] وبين ما قبله؟
(1) ( [1016] ) البيت لجميل بثينة وهو في ديوانه. وقد أغار عليه الفرزدق.