حكاه بالمعنى جريا على عادة العرب في التفنن في الكلام والمخالفة بين أساليبه، لئلا يمل إذا تمحض تكراره.
قلنا: ما سموها آية لاعتقاد أنها آية؛ بل حكاية لتسمية موسى عليه السلام على طريق الاستهزاء والسخرية.
[333] فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 137] أي أهلكنا، وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) [الشعراء: 57 - 59] ؟
قلنا: معنى ودمرنا: أي أبطلنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المكر والمكيدة في حقّ موسى عليه السلام: وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 137] أي يبنون من الصرح الذي أمر فرعون هامان ببنائه ليصعد بواسطته إلى السماء.
وقيل: هو على ظاهره؛ لأن الله تعالى أورث ذلك بني إسرائيل مدة ثم دمره جميعه.
[334] فإن قيل: قوله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) [البقرة: 49] قوله تعالى:
وَفِي ذلِكُمْ إن كان إشارة إلى الإنجاء فليس فيه بلاء؛ بل هو محض نعمة، وإن كان إشارة إلى القتل والأسر فإضافته إلى آل فرعون بقوله تعالى: (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) [البقرة: 49] أشد مناسبة لسياق الآية وهو الامتنان، ولهذا قال: يقتلون ويستحيون، فأضاف إليهم الفعلين.
قلنا: البلاء مشترك بين النعمة والمحنة؛ لأنه من الابتلاء وهو الاختبار، يقال بلاه وابتلاه، أي اختبره؛ والله تعالى يختبر شكر عباده بالنعمة ويختبر صبرهم بالمحنة، يؤيده قوله تعالى: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف: 168] وقوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: 35] فمعنى الآية وفي ذلك الإنجاء نعمة عظيمة من ربكم عليكم.
[335] فإن قيل: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) [الأعراف: 142] المواعدة كانت أمره بالصوم في هذا العدد، فكيف ذكر الليالي مع أنها ليست محلا للصوم؛ بل يقع في القلب أن ذكر الأيام أولى؛ لأنها محل الصوم الذي وقعت به المواعدة؟