قلنا: صرح أولا بنهيهم عن النقص الذي كانوا يفعلونه لزيادة المبالغة في تقبيحه وتغييرهم إياه، ثم صرح بالأمر بالإيفاء بالعدل الذي هو حسن عقلا لزيادة الترغيب فيه والحث عليه.
قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في سورة البقرة. وجواب آخر معناه: ولا تعثوا في الأرض بالكفر، وأنتم مفسدون بنقص المكيال والميزان.
[461] فإن قيل: كيف قال: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [هود: 86] فشرط الإيمان في كون البقية خيرا لهم، وهي خير لهم مطلقا؛ لأن المراد ببقية الله ما يبقى لهم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن وذلك خير لهم وإن كانوا كفارا؛ لأنهم يسلمون معه من عقاب البخس والتطفيف؟
قلنا: إنما شرط الإيمان في خيرية البقية؛ لأن خيريتها وفائدتها مع الإيمان أظهر، وهو حصول الثواب مع النجاة من العقاب، ومع فقد الإيمان أخفى لانغماس صاحبها في عذاب الكفر الذي هو أشد العذاب.
الثاني: أن المراد إن كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم وأنصح.
[462] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) [هود: 89] ولم يقل ببعيدين والقوم اسم لجماعة الرجال، وما جاء في القرآن الضمير العائد إليه إلا ضمير جماعة، قال الله تعالى: (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ) [نوح: 1] وقال تعالى: (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ) [الحجرات: 11] .
قلنا: فيه إضمار تقديره: وما هلاك قوم لوط أو مكان قوم لوط، ومكان قوم لوط كان قريبا منهم، وإهلاكهم أيضا كان قريبا من زمانهم.
الثاني: أن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال الجوهري: يقال ما أنتم منا ببعيد، وقال الله تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: 4] ، وقال: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) [ق: 17] .
[463] فإن قيل: قولهم: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ) [هود: 91] كلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ
اللَّهِ
[هود: 92] ؟
قلنا: تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله، فحين عز رهطه عليهم دونه كان رهطه أعز عليهم من الله، ألا ترى إلى قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ