الثانية: نفي توهم المجاز فإنه يقال: طار فلان في أمر كذا إذا أسرع فيه، وطار الفرس إذا أسرع الجري.
الثالثة: زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قال جميع الدواب الدابة وجميع الطيور الطائرة.
قلنا: لم يخبر عن الكشف مطلقا؛ بل مقيدا بشرط المشيئة وعذاب الساعة لو شاء كشفه عن المشركين لكشفه.
[284] فإن قيل: قوله تعالى: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) [الأنعام: 50] ، كيف ذكر القول في الجملة الأولى والثالثة وترك ذكره في الجملة الثانية؟
قلنا: لما كان الإخبار بالغيب كثيرا مما يدّعيه البشر، كالكهنة والمنجمين وواضعي الملاحم، ثم إن كثيرا من الجهال يعتقدون صحة أقاويلهم ويعملون بمقتضى أخبارهم بالغ في سلبه عن نفسه بسلب حقيقته عنه بخلاف الإلهية والملكية، فإن انتفاءهما عنه وعن غيره من البشر ظاهر فاكتفى في نفيهما بنفي القول، إذ غير الدعوى فيهما لا تتصور في نفس الأمر ولا في زعم الناس، بخلاف علم الغيب فافترقا، والمراد بقوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ) [الأنعام: 50] أي لا أدعي الإلهية، كذا قاله بعض المفسرين.
[285] فإن قيل: قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 55] كيف ذكر سبيل المجرمين ولم يذكر سبيل المؤمنين وكلاهما محتاج إلى بيانه؟
قلنا: لأنه إذا ظهر سبيل المجرمين ظهر سبيل المؤمنين أيضا بالضرورة إذ السبيل سبيلان لا غير.
[286] فإن قيل: كيف قال: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) [المائدة: 60] أي ما كسبتم، وهو يعلم ما جرحوا ليلا ونهارا؟
قلنا: لأن الكسب أكثر ما يكون بالنّهار لأنه زمان حركة الإنسان، والليل زمان سكونه لقوله تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [القصص:
72]بعد قوله: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) [القصص: 72] .
[287] فإن قيل: كيف قال: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) [الأنعام: 62] يعني