قلنا: ليجيب بما أجاب به؛ فتحصل به الفائدة الجليلة للسّامعين من طلبه لإحياء الموتى.
[70] فإن قيل: كيف يجوز أن يكون النبيّ غير مطمئن القلب بقدرة الله على إحياء الموتى؛ حتّى قال إبراهيم: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ) [البقرة: 260] ؛ مع أنّ قلبه مطمئن بقدرة الله على الإحياء؟
قلنا: معناه ليطمئنّ قلبي بعلم ذلك عيانا، كما اطمأنّ به برهانا؛ أو ليطمئنّ بأنّك اتّخذتني خليلا؛ أو بأنّي مستجاب الدّعوة.
ولقائل أن يقول: على الوجه الأول، كيف يزداد يقينا بالمشاهدة، وقد روي عن علي، كرّم الله وجهه، أنّه قال: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» ، وإبراهيم صلوات الله عليه وسلامه أعظم رتبة وأجلّ؟
وجوابه: أنّ عليّا أراد بذلك قوّة يقينه قبل العيان؛ حتّى كأنّ الزّيادة الحاصلة له بالعيان يسيرة لا يعتدّ بها.
[71] فإن قيل: فما فائدة قوله: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) [البقرة: 260] أي فضمّهنّ، ولفظ الأخذ مغن عنه؟
قلنا: الفائدة فيه تأمّلها، ومعرفة أشكالها وصفاتها؛ لئلّا يلتبس عليه بعد الإحياء فيتوهّم أنّه غيرها.
[72] فإن قيل: كيف مدح الله المتّقين بترك المنّ؛ ونهى عن المنّ، أيضا، مع أنّه وصف نفسه بالمنّان، في نحو قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 164] .
قلنا: منّ بمعنى أعطى؛ ومنه المنّان في صفات الله تعالى. وقوله: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ؛ وقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 164] ، أي أنعم عليهم؛ وقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ) [محمد: 4] ، أي إنعاما بالإطلاق، من غير عوض؛ ومنّ بمعنى اعتد بالنّعمة، وذكرها، واستعظمها؛ وهو المذموم.
[72 م] فإن قيل: قوله: تعالى: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) [الحجرات:
17]من القسم الثاني.
قلنا: ذلك اعتداد بنعمة الإيمان؛ فلا يكون قبيحا؛ بخلاف نعمة المال. ولأنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى ما هو مدح في حقّه، ذمّ في حقّ العبد، كالجبّار، والمتكبّر، والمنتقم، ونحو ذلك.