فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 403

ونجاهم وهو السفينة، ويناسب هذا الوجه قوله تعالى:* وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [هود: 41] وهذا لأن ابن نوح عليه السلام لما جعل الجبل عاصما من الماء رد نوح عليه السلام ذلك، ودله على العاصم وهو الله تعالى، أو المكان الذي أمر الله بالالتجاء إليه وهو السفينة.

[451]فإن قيل: كيف صح أمر السماء والأرض بقوله تعالى:(وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي)[هود: 44]وهما لا يعقلان، والأمر والنهي إنما يكون لمن يعقل ويفهم الخطاب؟

قلنا: الخطاب لهما في الصورة، والمراد به الخطاب للملائكة الموكلين بتدبيرهما.

الثاني: أن هذا أمر إيجاب لا أمر إيجاد، وأمر الإيجاد لا يشترط فيه العقل والفهم، لأن الأشياء كلها بالنسبة إلى أمر الإيجاد مطيعة منقادة لله تعالى، ومنه قوله تعالى: (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: 40] وقوله تعالى:

فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) [فصلت: 11] كل ذلك أمر إيجاد.

[452] فإن قيل: كيف قال تعالى هنا وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ) [هود: 45] بالفاء، وقال في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ) [مريم: 3، 4] .

قلنا: أراد بالنداء هنا إرادة النداء فجاء بالفاء الدالة على السببية، فإن إرادة النداء سبب للنداء، فكأنه قال: وأراد نوح نداء ربه فقال كيت وكيت، وأراد به في قصة زكريا عليه الصلاة والسلام حقيقة النداء، فلهذا جاء بغير فاء لعدم ما يقتضي السببية.

[453] فإن قيل: هود عليه الصلاة والسلام كان رسولا ولم يظهر معجزة:

ولهذا قال له قومه يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) [هود: 53] فبأي شيء لزمتهم رسالته؟

قلنا: إنما يحتاج إلى المعجزة من الرسل من يكون صاحب شريعة لتنقاد أمته لشريعته، فإن في كل شريعة أحكاما غير معقولة فيحتاج الرسول الآتي بها إلى معجزة لتشهد بصحة صدقه، فأما الرسول الذي لا تكون له شريعة ولا يأمر إلا بالعقليات فلا يحتاج إلى معجزة؛ لأن الناس ينقادون إلى ما يأمرهم به لموافقته للعقل، وهود كان كذلك.

الثاني: أنه نقل أن معجزة هود كانت الريح الصرصر فإنها كانت سخرت له.

[454] فإن قيل: على الوجه الأول لو كان أمره لهم مقصورا على العقليات لما خالفوه وكذبوه ونسبوه إلى الجنون بقولهم: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) [هود: 53] إلى قوله: بِسُوءٍ) [هود: 54] .

قلنا: إنما صدر ذلك القول من قاصري العقول أو المعاندين المكابرين، كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت