فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 403

الثاني: إتيان المرأة من قبل ظهرها كان محرما عندهم، وكانوا يعتقدون أنّها إذا أتيت من قبل ظهرها جاء الولد أحول، فكان المطلق في الجاهلية إذا قصد تغليظ الطلاق قال أنت عليّ كظهر أمي.

[872] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الأحزاب: 33] جعل أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة أمهات المؤمنين حكما، أي في الحرمة والاحترام وما جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة أبيهم حتى قال تعالى: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) [الأحزاب: 40] ؟

قلنا: أراد الله بقوله تبارك وتعالى: (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [الأحزاب: 6] أن أمته يدعون أزواجه بأشرف الأسماء، وأشرف أسماء النساء الأمّ وأشرف أسماء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رسول الله لا الأب.

الثاني: أنّه تعالى جعلهن أمهات المؤمنين تحريما لهن، إجلالا وتعظيما له صلّى الله عليه وسلّم كيلا يطمع أحد في نكاحهن بعده. فلو جعل النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا للمؤمنين لكان أبا للمؤمنات أيضا، فلم يجعل له نكاح امرأة من المؤمنات؛ بل يحرمن عليه، وذلك ينافي إجلاله وتعظيمه. وقد جعله أعظم من الأب في القرب والحرمة بقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6] فجعل صلّى الله عليه وسلّم أقرب إليهم من أنفسهم، وكثير من الآباء يتبرأ من ابنه ويتبرأ منه ابنه أيضا، وليس أحد يتبرأ من نفسه.

[873] فإن قيل: كيف قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم على نوح ومن بعده في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: 7] ؟

قلنا: لأن هذا العطف من باب عطف الخاص على العام الذي هو جزء منه لبيان التفضيل والتخصيص بذكر مشاهير الأنبياء وذراريهم؛ فلما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم. وفي الميثاق المأخوذ قولان:

أحدهما: أنه تعالى أخذ منهم الميثاق يوم أخذ الميثاق بأن يصدق بعضهم بعضا.

والثاني: أخذ منهم الميثاق أن يوحدوا الله تعالى ويدعوا إلى توحيده ويصدق بعضهم بعضا.

[874] فإن قيل: فكيف قدم نوح عليه السلام في نظير هذه الآية وهي قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الشورى: 13] ؟

قلنا: لأن تلك الآية سيقت لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة، كأنه قال:

شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح عليه السلام في العهد القديم، وبعث عليه محمد صلّى الله عليه وسلّم في العهد الحديث، وبعث عليه من توسطهما من الأنبياء المشاهير،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت