التفضيل على القاعدين عن الغزاة بغير عذر، وأولئك لا فضل لهم؛ بل هم مقصرون ومسيئون؛ فظهر فضل الغزاة عليهم بدرجات لانتفاء الفضل لهم؟
قلنا: معنى فيم كنتم التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدّين؛ حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا فصار قوله: فيم كنتم؟ مجازا عن قوله لم تركتم الهجرة؟
فقالوا كنا مستضعفين، اعتذارا عما وبخوا به تعلّلا؛ فردت عليهم الملائكة ذلك بقولهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) [النساء: 97] ، يعني أنكم إن كنتم عاجزين عن الهجرة إلى المدينة لبعدها عليكم كنتم قادرين على الخروج من مكّة إلى بعض البلاد القريبة منكم التي تقدرون فيها على إظهار دين الإسلام.
[182] فإن قيل: كيف قال: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) [النساء: 100] ، أي وجب، والعبد لا يستحق على مولاه أجرا؛ لأنه ليس بأجير له إنما هو عبد قنّ؟
قلنا: معناه وجب من جهة أنه وعد عباده أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، والخلف في وعده عز وجل محال، فالوجوب من هذه الجهة؛ مع أن ذلك الوعد ابتداء فضل منه.
[183] فإن قيل: كيف شرط في إباحة القصر للمسافر خوف العدو بقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) [النساء: 101] الآية، والقصر جائز مع أمن المسافر؟
قلنا: خرج ذلك مخرج الغالب لا مخرج الشرط، وغالب أسفار رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم تخل من خوف العدو فصار نظير قوله تعالى: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [النور: 33] .
الثاني: أنّ الكلام قد تم عند قوله تعالى:(أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ وقوله: إِنْ خِفْتُمْ كلام مستأنف، وجوابه محذوف تقديره: فاحتاطوا أو تأهبوا.
الثالث: أن المراد به القصر من شروطها وأركانها حالة اشتداد الخوف بترك الركوع والسجود والنزول عن الدّابة واستقبال القبلة ونحو ذلك، لا من عدد الركعات،
وذلك القصر مشروط بالخوف.
[184] فإن قيل: كيف قال: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا) [النساء: 103] ، وكان لفظ دال على المضيّ، والصلاة في الحال وإلى يوم القيامة أيضا على المؤمنين فرض موقت؟