فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 403

والشك تساوي الطرفين، والظن رجحان أحدهما؛ فكيف يكونون شاكين ظانين؛ وكيف استثنى الظن من العلم، وليس الظن فردا من أفراد العلم؛ بل هو قسيمه؟

قلنا: استعمل الظن بمعنى الشك مجازا لما بينهما من المشابهة في انتفاء الجزم؛ وأما استثناء الظن من العلم فهو استثناء من غير الجنس، كما في قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا) [مريم: 62] .

وقيل: لأنّ المراد بالشك هنا ما يشمل الظن، واستثناء الظن من العلم في الآية منقطع؛ فإلّا فيها بمعنى لكن، كما في قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا) [الواقعة: 25، 26] ، وما أشبهه.

[203]فإن قيل: كيف يكون للنّاس على الله حجّة قبل الرّسل، وهم محجوجون بما نصبه لهم من الأدلة العقلية الموصلة إلى معرفته، حتى قال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)[النساء: 165]؟

قلنا: الرسل والكتب منبهة من الغفلة، وباعثة على النظر في أدلة العقل ومفصّلة لمجمل الدنيا وأحوال التكليف التي لا يستقل العقل بمعرفتها، فكان إرسالهم إزاحة للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) [طه: 134] فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا لما وجب الانتباه له.

[204] فإن قيل: كيف قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) [النساء: 166] ولم يقل أنزله بقدرته أو بعلمه وقدرته؛ مع أن الله تعالى لا يفعل إلّا عن علم وقدرة؟

قلنا: معناه أنزله متلبسا بعلمه: أي عالما به، أو وفيه علمه، أي معلومه أو معلمه من الشرائع والأحكام. وقيل معناه: أنزله عليك بعلم منه أنّك أولى بإنزاله عليك من سائر خلقه.

[205] فإن قيل: كلام الله صفة قديمة قائمة بذاته، وعيسى عليه الصلاة والسلام مخلوق وحادث فكيف صح إطلاق الكلمة عليه في قوله تعالى: (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) [النساء: 171] .

قلنا: معناه أن وجوده في بطن أمه كان بكلمة الله تعالى، وهو قوله: «كُنْ» من غير واسطة أب، بخلاف غيره من البشر سوى آدم. وقيل: المراد بالكلمة الحجة.

[206] فإن قيل: على الوجه الأول، لو كان صحة إطلاق الكلمة على عيسى، صلوات الله على نبينا وعليه، لهذا المعنى لصح إطلاقها على آدم عليه الصلاة والسلام لأن هذا

المعنى فيه أتم وأكمل لأنه وجد بهذه الكلمة من غير واسطة أب ولا أم أيضا.

قلنا: لا نسلم أنه لا يصح إطلاقها عليه لهذا المعنى، بل يصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت