فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 403

[88] «1» فإن قيل: كيف قال تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ. ثمّ قال تعالى:(وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) [آل عمران: 3] ؟

قلنا: لأنّ القرآن أنزل منجّما، والتّوراة والإنجيل نزلا جملة واحدة، كذا أجاب الزّمخشري وغيره. ويرد عليه قوله تعالى، بعد ذلك: وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) [آل عمران: 4] فإنّ الزمخشري قال: أراد به جنس الكتب السماوية لا الثلاثة المذكورة خصوصا؛ أو أراد به الزّبور؛ أو أراد به القرآن، وكرّر ذكره تعظيما. ويرد عليه، أيضا قوله تعالى، بعد ذلك: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) [آل عمران: 7] ، وقوله تعالى:

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) [البقرة: 4] ، وقوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الفرقان: 32] .

والذي وقع لي فيه- والله أعلم- أنّ التّضعيف، في نزّل، والهمزة في أنزل، كلاهما للتّعدية؛ لأنّ نزل فعل لازم، في نفسه؛ وإذا كانا للتّعدية، لا يكونان لمعنى آخر، وهو التّكثير أو نحوه؛ لأنّه لا نظير له؛ وإنّما جمع بينهما، والمعنى واحد، وهو التّعدية؛ جريا على عادة العرب في افتنانهم في الكلام، وتصرّفهم فيه، على وجوه شتّى. ويؤيّد هذا قوله تعالى: (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) [الأنعام: 37] وقال، في موضع آخر: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) [الرعد: 7] .

[89] فإن قيل: كيف قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) [آل عمران: 7] ، ومن للتبعيض؟ وقال: في موضع آخر: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) [هود: 1] ؛ وهذا يقتضي كون جميع آياته محكمة؟

(1) ( [88] ) الزمخشري: هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزّمخشري. ولد سنة 467 هـ بزمخشر وتوفي سنة 538 هـ بجرجانية خوارزم. عرف بتضلّعه في علوم عدة، منها التفسير واللغة والمعاني والبيان والنحو. وقد أخذ الأدب عن منصور أبي مضر. من مؤلفاته: تفسيره المعروف للقرآن المسمّى الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، المحاجاة بالمسائل النحوية، الفائق في تفسير غريب الحديث، أساس البلاغة، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، المفرد والمركب في العربية، متشابه أسامي الرّواة، المفصّل في النحو، الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت