فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 403

سيهدين إلى الجنة. وقيل: إلى الصواب في جميع أحوالي، ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62] .

[932] فإن قيل: كيف شاور إبراهيم ولده عليهما السلام في ذبحه بقوله: (فَانْظُرْ ماذا تَرى) [الصافات: 102] مع أنه كان حتما على إبراهيم لأنه أمر به، لأن معنى قوله: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) [الصافات: 102] أنه أمر بذبحه في المنام، ورؤيا الأنبياء حقّ فإذا رأوا شيئا من المنام فعلوه في اليقظة كذا قاله قتادة؛ والدّليل على أنّ منامه كان وحيا بالأمر بالذبح قوله: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) [الصافات: 102] ؟

قلنا: لم يشاوره ليرجع إلى رأيه في ذلك، ولكن ليعلم ما عنده من الصبر فيما نزل به من بلاء الله تعالى، فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه الزّلل إن صبر وسلّم، وليعلم القصّة فيوطن نفسه على الذّبح، ويهونه عليها فيلقى البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب الثواب بالانقياد والصبر لأمر الله تعالى قبل نزوله، وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكل الشجرة لما فرط منه ذلك.

[933] فإن قيل: كيف قيل له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) [الصافات: 105] وإنما يكون مصدقا لها لو وجد منه الذبح ولم يوجد؟

قلنا: معناه قد فعلت غاية ما في وسعك مما يفعله الذابح من إلقاء ولدك وإمرار الشفرة على حلقه؛ ولكن الله تعالى منع الشفرة أن تقطع. وقيل: إن الذي رآه في المنام معالجة الذّبح فقط لا إراقة الدّم، وقد فعل ذلك في اليقظة فكان مصدّقا للرؤيا.

[934] «1» فإن قيل: أين جواب «لما» في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَما؟) [الصافات:

قلنا: قيل هو محذوف تقديره: استبشرا واغتبطا وشكرا الله تعالى على ما أنعم به عليهما من الفداء؛ أو تقديره: سعدا، أو أجزل ثوابهما. وقيل: الجواب هو قوله تعالى: (نادَيْناهُ) [الصافات: 104] والواو زائدة كما في قول امرئ القيس:

فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي خفاف عقنقل

أي فلما أجزنا ساحة الحيّ انتحى، كذا نقله ابن الأنباري في شرحه.

[935] فإن قيل: كيف قال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام كَذلِكَ نَجْزِي

(1) ( [934] ) البيت من معلّقة امرئ القيس وهو في الديوان: 15.

-وفي الرواية المشهورة: «ذي قفاف» بدل «ذي خفاف» . والقفاف جمع قف وهو ما ارتفع من الأرض، كالشرف.

-العقنقل: الوادي المتسع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت