قلنا: مواقف القيامة مختلفة، ففي موقف يكل الله حسابهم إلى أنفسهم وعلمه محيط به، وفي موقف يحاسبهم هو.
وقيل: هو الذي يحاسبهم لا غيره، وقوله تعالى: (كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا أي يكفيك أنك شاهد على نفسك بذنوبها عالم بذلك، فهو توبيخ وتقريع لا أنه تفويض لحساب العبد إلى نفسه.
وقيل: من يريد مناقشته في الحساب يحاسبه بنفسه، ومن يريد مسامحته فيه يكل حسابه إليه.
[582] فإن قيل: قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الإسراء: 15] يرد ما جاء في الأخبار أن في يوم القيامة يؤخذ من حسنات المغتاب والمديون ويزاد في حسنات رب الدّين والشخص الذي اغتيب، فإن لم تكن لهما حسنات يوضع عليهما من سيئات خصميهما، وكذلك جاء هذا في سائر المظالم؟
قلنا: المراد من الآية أنها لا تحمله اختيارا ردا على الكافرين حيث قالوا للذين آمنوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) [العنكبوت: 12] الآيتين، والمراد من الخبر أنها تحمله كرها فلا تنافي، وقد سبق هذا مرة في آخر سورة الأنعام.
[583] «1» فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) [الإسراء: 16] وقال في آية أخرى قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) [الأعراف: 28] ؟
قلنا: فيه إضمار تقديره أمرناهم بالطاعة ففسقوا. وقال الزّجّاج: ومثله قولهم أمرته فعصاني، وأمرته فخالفني؛ لا يفهم الأمر بالمعصية ولا الأمر بالمخالفة.
الثاني: أن معناه كثرنا مترفيها، يقال أمرته وآمرته بالمد والقصر يعني كثرته، وقد قرئ بهما، ومنه الحديث: «خير المال مهرة مأمورة وسكّة مأبورة» ، أي كثيرة النتاج والنسل.
الثالث: أن معناه أمرنا مترفيها بالتشديد، يقال أمرت فلانا بمعنى أمرته: أي جعلته أميرا، فمعنى الآية سلطانهم بالإمارة، ويعضد هذا الوجه قراءة من قرأ أمرنا بالتشديد.
(1) ( [583] ) الحديث أخرجه أحمد في مسنده: 3/ 468.
مأمورة: أي كثيرة النتاج والنسل.
سكة: هي الطريقة من النخل أو السطر منه، أي النخل المتجاور.
مأبورة: ملقحة.