قلنا: فيهما بمعنى فيها، باعتبار إطلاق لفظ التثنية على المفرد كما في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن: 55] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح. وقيل: إن الملائكة لهم دبيب مع طيرانهم أيضا وهم مبثوثون في السماء، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ) [الأنعام: 38] فتقييده بالأرض يدل على وجود الدابة في غير الأرض من حيث المفهوم.
[982] فإن قيل: كيف قدم سبحانه وتعالى الإناث على الذكور في قوله تعالى:
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) [الشورى: 49] مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم عليهن، ولم نكر الإناث وعرف الذكور؟
قلنا: إنما قدم الإناث لأن الآية إنما سيقت لبيان عظمة ملكه ونفاذ مشيئته، وأنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء عبيده، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه عبيده أهم، والأهم واجب التقديم، فلما قدمهن وأخر الذكور لذلك المعنى تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم؛ لأن التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال:
ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المشهورين الذين لا يخفون على أحد، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير، فعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتض آخر فقال تعالى: (ذُكْرانًا وَإِناثًا) [الشورى: 50] كما قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) [الحجرات: 13] وقال: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى)[القيامة:
[983] فإن قيل: قوله: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) [الشورى: 51] الآية؛ كيف يقال إن الله تعالى كلم محمدا صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج مواجهة بغير حجاب ولا واسطة، وقد خص الله تعالى تكليمه للبشر في طريق الوحي وهو الإلهام، كما كلم أم موسى، والإسماع من وراء حجاب كما كلم موسى عليه السلام، وإرسال الرسول كما كلم الأنبياء بواسطة جبريل عليه السلام، وكما كلم الأمم بواسطة الرسل؟
قلنا: قيل المراد بالوحي الأول هنا الإشارة، ومنه قولهم وحي العين ووحي الحاجب، أي إشارتهما، ومنه قوله تعالى: (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا) [مريم: 11] فتكليمه لمحمد صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج كان مواجهة بالإشارة.
[984] فإن قيل: قوله تعالى: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) [الشورى:
52]كيف كان لا يعلم الإيمان قبل أن يوحى إليه، والإيمان هو التصديق بوجود