فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 403

مبعدون عنها بعد ورودها بالإنجاء المذكور بعد الورود، فلا تنافي بينهما.

[707] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: 107] مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن رحمة للكافرين الذين ماتوا على كفرهم بل نقمة؛ لأنه لولا إرساله إليهم لما عذبوا بكفرهم لقوله تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] .

قلنا: بل كان رحمة للكافرين أيضا من حيث أن عذاب الاستئصال أخر عنهم بسببه.

الثاني: أنه كان رحمة عامة من حيث أنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبعه فهو الذي قصر في حقّ نفسه وضيع نصيبه من الرّحمة؛ ومثله صلّى الله عليه وسلّم كمثل عين ماء عذبة فجرها الله تعالى، فسقى ناس زروعهم ومواشيهم منها فأفلحوا، وفرّط ناس في السقي منها فضيعوا، فالعين في نفسها نعمة من الله تعالى للفريقين ورحمة، وإن قصر البعض وفرطوا.

الثالث: أن المراد بالرحمة الرحيم؛ وهو صلّى الله عليه وسلّم كان رحيما للفريقين؛ ألا ترى أنهم لما شجّوه يوم أحد وكسروا رباعيته حتى خر مغشيا عليه، فلما أفاق قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون؟

[708] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) [الأنبياء: 109] مع إخباره تعالى إياهم بقرب الساعة بقوله تعالى: (أَتى أَمْرُ اللَّهِ) [النحل: 1] وقوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) [القمر: 1] ونحوهما؟

قلنا: معناه ما أدري أن العذاب الذي توعدونه وتهدون به ينزل بكم عاجلا أو آجلا، وليس المراد به قيام الساعة. ويرد على هذا الجواب أنه قريب على كل تقدير؛ لأنه إن كان قبل قيام الساعة فظاهر، وإن كان بعد قيام الساعة فهو كالمتصل بها لسرعة زمن الحساب، فيكون قريبا أيضا.

[709] فإن قيل: إذا كان المؤمنون يعتقدون أن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فما فائدة الأمر والإخبار المتعلق بهما بقوله تعالى: (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) [الأنبياء: 112] ؟

قلنا: ليس المراد بالحق هنا ما هو نقيض الباطل؛ بل المراد به ما وعده الله تعالى إياه من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، ووعده لا يكون إلا حقا، فكأنه قال:

عجل لنا وعدك وأنجزه، ونظيره قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) [الأعراف: 89] .

الثاني: أنه تأكيد لما في التصريح بالصفة من المبالغة وإن كانت لازمة للفعل، ونظيره في عكسه من صفة الذم قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) [آل عمران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت