فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 403

[1235] فإن قيل: كيف خصّ الناس بالذّكر، في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس: 1] ، وهو ربّ كلّ شيء ومالكه وإلهه؟

قلنا: إنّما خصّهم بالذّكر تشريفا لهم، وتفضيلا على غيرهم؛ لأنهم أهل العقل والتمييز.

الثاني: أنّه لمّا أمر بالاستعاذة من شرّهم ذكر مع ذلك أنه ربهم ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرهم.

الثالث: أنّ الاستعاذة وقعت من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي هو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض العبيد إذا اعتراه خطب بسيده ومخدومه وولي أمره.

[1236] فإن قيل: هل قوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس: 6] بيان للذي يوسوس على أن الشيطان الموسوس ضربان جنّي وإنسي، كما قال تعالى:

شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) [الأنعام: 112] أو بيان للناس الذي أضيفت الوسوسة إلى صدورهم، والناس المذكور آخرا بمعنى الإنس؟

قلنا: قال بعض أئمة التفسير: المراد المعنى الأول؛ كأنه قال: من شرّ الوسواس الجنّي، ومن شرّ الوسواس الإنسي، فهو استعاذة بالله تعالى من شر الموسوسين من الجنسين، وهو اختيار الزّجّاج، وفي هذا الوجه إطلاق لفظ الخنّاس على الإنسي، والنقل أنه اسم للجنّي. وقال بعضهم: المراد المعنى الثاني، كأنه قال:

من شر الوسواس الجنّي الذي يوسوس في صدور الناس، من جنّهم وإنسهم؛ فسمى الجنّ ناسا كما سماهم نفرا ورجالا، في قوله تعالى: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) [الجن:

1]، وقوله تعالى: (يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ) [الجن: 6] . فهو استعاذة بالله من شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الجنّ، كما يوسوس في صدور الإنس، وهو اختيار الفرّاء. والمراد من الجنّة هنا، الشّياطين من الجنّ على الوجه الأوّل، ومطلق الجنّ على الوجه الثّاني؛ لأنّ الشيطان منهم هو الذي يوسوس لا غيره؛ ومطلقهم يوسوس إليه. واختار الزّمخشري الوجه الأول. وقال: ما أحق أن اسم الناس ينطلق على الجنّ؛ لأنّ الجن سموا جنا لاجتنانهم، أي لاستتارهم، والناس سموا أناسا لظهورهم من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا لظهورهم من البشرة، ولو صح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت