قلنا: فائدته الإشارة إلى أنه ليس كل الأمور مما يوحى إلى النساء كالنبوة ونحوها؛ بل بعضها.
الثاني: أنه للتأكيد كقوله تعالى: (فَغَشَّاها ما غَشَّى) [النجم: 54] كأنه قال: إذ أوحينا إلى أمك إيحاء.
الثالث: أنه أبهمه أولا للتفخيم والتعظيم، ثم بينه وأوضحه بقوله تعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ) [طه: 39] الآية.
[677] فإن قيل: كيف قدم هارون على موسى عليهما السلام في قوله تعالى:
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) [طه: 70] وهارون كان وزيرا لموسى عليهما السلام وتبعا له، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا) [الفرقان: 35] .
قلنا: إنما قدمه ليقع موسى مؤخرا في اللفظ فيناسب الفواصل أعني رءوس الآيات.
[678] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) [طه: 74] والموت والحياة صفتان من صفات الإنسان وهما نقيضان، فكيف يرتفعان؟
قلنا: المراد لا يموت فيها موتا يستريح به، ولا يحيا حياة تنفعه ويستلذ بها.
الثاني: أن المراد لا يموت فيها موتا متصلا ولا يحيا حياة متصلة؛ بل كلما مات من شدة العذاب أعيد حيّا؛ ليذوق العذاب هكذا سبعين مرة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا.
[679] فإن قيل: الخوف والخشية واحد في اللغة، فكيف قال تعالى: (لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى) [طه: 77] ؟
قلنا: معناه لا تخاف دركا: أي لحاقا من فرعون، ولا تخشى غرقا في البحر، كما تقول: لا تخاف زيدا ولا تخشى عمرا، ولو قلت ولا عمرا صح وكان أوجز، ولكن إذا أعدت الفعل كان آكد. وأما في الآية فلما لم يكن مفعول الخشية مذكورا ذكر الفعل ثانيا ليكون دليلا عليه، وخولف بين اللفظين رعاية للبلاغة.
وقيل معناه: لا تخاف دركا على نفسك، ولا تخشى دركا على قومك. والأول عندي أرجح.
[680] فإن قيل: قوله تعالى: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ) [طه: 79] يغني عن قوله تعالى: (وَما هَدى) [طه: 79] ومفيد فوق فائدته فكيف ذكر معه؟