قلنا: إنما قالت لهم ذلك لتظهر فضيحتهم، وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف من يعبدها، فلم تعلم أنهم عبدوها في الدنيا فظهرت فضيحتهم حيث عبدوا من لا يعلم بعبادتهم، ونظير هذا قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [النحل: 81، 82] .
[564] فإن قيل: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل:
89]فإذا كان القرآن تبيانا لكل شيء من أمور الدين، فمن أين وقع بين الأمة في أحكام الشريعة هذا الخلاف الطويل العريض؟
قلنا: إنما وقع الخلاف بين الأئمة لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبينا في القرآن نصا، بل بعضه مبين وبعضه مستنبط بيانه منه بالنظر والاستدلال، وطريق النظر والاستدلال مختلفة فلذلك وقع الخلاف.
[565] «1» فإن قيل: كثير من أحكام الشريعة لم تعلم من القرآن نصا ولا استنباطا كعدد ركعات الصلاة، ومقادير باقي الأعضاء، ومدة السفر والمسح والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وما أشبه ذلك مما يطول ذكره؟
قلنا: القرآن تبيان لكل شيء من أمور الدين؛ لأنه نص على بعضها، وأحال على السنة في بعضها في قوله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7] وقوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) [النجم: 3] وأحال على الإجماع أيضا بقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: 115] الآية، وأحال على القياس أيضا بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ) [الحشر: 2] والاعتبار النظر والاستدلال، فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن فصح كونه تبيانا لكل شيء.
[566] فإن قيل: كيف وحّدت القدم ونكّرت في قوله تعالى: (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها) [النحل: 94] ولم يقل القدم أو الأقدام، وهو أشد مناسبة لجمع الإيمان؟
قلنا: وحّدت ونكّرت في قوله تعالى لاستعظام أن تزل قدم واحدة على طريق الجنة فكيف بأقدام كثيرة؟
[567] فإن قيل: «من» تتناول الذكر والأنثى لغة، ويؤيده قوله تعالى: (مَنْ جاءَ
(1) ( [565] ) - قوله: «وأحال على القياس أيضا، الخ» لا يخفى ما فيه من ضعف!