فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 403

[171] فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] ؛ السؤال فيه من وجهين:

أحدهما: أنّه يدلّ من حيث المفهوم على أنّ في القرآن اختلافا قليلا، وإلّا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة؛ مع أنّه لا اختلاف فيه أصلا.

الثاني: أنّه إنّما يدلّ عدم الاختلاف الكثير، في القرآن، على أنّه من عند الله، أن لو كان كلّ كتاب من عند غير الله فيه اختلاف كثير؛ وليس الواقع كذلك؛ لأنّ المراد من الاختلاف: إمّا الكذب والتباين في نظمه، وإما التناقض في معانيه، أو التفاوت بين بعضه وبعضه، من الجزالة والبلاغة والحكمة وكثرة الفائدة.

قلنا: الجواب عن السؤال الأوّل: أنّ التقييد بوصف الكثرة للمبالغة في إثبات الملازمة، فكأنه قال: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فضلا عن القليل؛ لكنه من عند الله، فليس فيه اختلاف كثير ولا قليل، فكيف يكون من عند غير الله؟ فهذا هو المقصود من التقييد بوصف الكثرة، لا أنّ القرآن مشتمل على اختلاف قليل. وعن السؤال الثاني: أنّ كلّ كتاب في فنّ من العلوم إذا كان من عند غير الله يوجد فيه اختلاف ما بأحد التفاسير المذكورة لا محالة يعرف ذلك بالاستقراء؛ والقرآن جامع لفنون من علوم شتّى؛ فلو كان من عند غير الله لوجد فيه بالنسبة إلى كل فنّ اختلاف ما، فيصير مجموع الاختلاف اختلافا كثيرا.

[172] فإن قيل: كيف قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 83] ؛ استثنى القليل، على تقدير انتفاء الفضل والرّحمة؛ مع أنّه لولا فضله بالهداية والعصمة ورحمته لاتّبع الكلّ الشيطان، من غير استثناء؟

قلنا: الاستثناء راجع إلى ما تقدّم؛ تقديره: أذاعوا به إلّا قليلا.

وقيل: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلّا قليلا.

وقيل: معناه: ولولا فضل الله عليكم بإرسال الرّسل لاتّبعتم الشّيطان، في الكفر والضّلال، إلا قليلا منكم كانوا يهتدون بعقولهم إلى معرفة الله تعالى وتوحيده، كقسّ بن ساعدة، وورقة بن نوفل، ونحوهما؛ قبل بعث النبيّ عليه الصلاة والسلام.

[173] فإن قيل: على الجواب الأخير إذا كان المراد أنّ من لوازم نفي الفضل والرّحمة بالطّريق الخاص، وهو بإرسال الرّسل، اتباع الشيطان، ونفي الفضل والرّحمة بالطّريق الخاص معلوم حقّ في الرّسول؛ لأنّه لم يرسل إليه رسول ومع هذا لم يتبع الشّيطان؟

قلنا: لا نسلم أنه لم يرسل إليه رسول، بل أرسل إليه الملك وأنّه رسول.

الثاني: التقييد في الفضل والرّحمة بتعيين الطّريق يكون في حقّ الأمّة، أمّا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت