قلنا: العرب في أغلب تواريخها إنما تذكر الليالي، وإن كان مرادها الأيام؛ لأن الليل هو الأصل في الزمان، والنهار عارض؛ لأنّ الظلمة سابقة في الوجود على النور.
وقيل: إنه كان في شريعة موسى عليه السلام جواز صوم الليل؟
قلنا: فيه فوائد:
إحداها: التأكيد.
الثانية: أن يعلم أن العشر ليال لا ساعات.
الثالثة: أن لا يتوهم أن العشر التي وقع بها الإتمام كانت داخلة في الثلاثين، يعني كانت عشرين وأتمت بعشر، كما في قوله تعالى: (وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: 10] على ما نذكره مشروحا في حم السجدة.
[337] «1» فإن قيل: لم قال موسى عليه الصلاة والسلام: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: 143] وقد كان قبله كثير من المؤمنين، وهم الأنبياء ومن آمن بهم؟
قلنا: معناه وأنا أول المؤمنين بأنك يا الله لا ترى بالحاسة الفانية من الجسد الفاني في دار الفناء.
وقيل معناه: وأنا أول المؤمنين من بني إسرائيل في زماني.
وقيل: أراد بالأول الأقوى والأكمل في الإيمان، يعني لم يكن طلبي للرؤية لشك عندي في وجودك أو لضعف في إيماني؛ بل لطلب مزيد الكرامة.
[338] فإن قيل: كيف قال: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) [الأعراف: 145] أي التوراة؛ وهم مأمورون بالعمل بكل ما في التوراة؟
(1) ( [337] ) قول المصنف في آخر الوجه الثالث من الجواب، وإن كان أورده بلسان الحكاية، بالقول: «بل لطلب مزيد الكرامة» مناقض للوجه الأول، وفيه من البعد ما لا يخفى، وحسبك أن مقام نبي من أولي العزم العارفين بالله سبحانه حقّ معرفته، يمنع من أن يلتمس موسى صلوات الله وسلامه عليه من الله مزيد الكرامة بأمر ممتنع؛ بل المقالة التي أوردها المصنف أشبه بمقالة الحشوية والمشبهة والمجسّمة، لا بمقالة الأنبياء، خاصة الله وأهل ولايته والعارفين به، نعوذ بالله من الضّلالة في الدين.
أما قوله في ذيل الوجه الأول من الجواب: «في دار الفناء» فكأنه يلمح إلى جواز رؤية الباري تعالى في الآخرة، بهذه العين الفانية. وأقل ما فيه: أن الممتنع عقلا، كرؤية الباري تعالى، ممتنع في كل الظروف والأحوال.