فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 403

[559] «1» فإن قيل، كيف قال تعالى: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: 81] ، ولم يقل والبرد؛ مع أن السرابيل وهي الثياب تلبس لدفع الحر والبرد وهي مخلوقة لهما؟

قلنا: حذف ذكر أحدهما لدلالة ضده عليه كما في قوله تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) [آل عمران: 26] ولم يقل والشر، وكما قال الشاعر:

وما أدري إذا يمّمت أرضا ... أريد الخير أيّهما يليني

أي أريد الخير لا الشر، أو أريد الخير وأحذر الشر.

[560] فإن قيل: لم كان ذكر الخير والحر أولى من ذكر الشر والبرد؟

قلنا: لأن الخير مطلوب العباد من ربهم ومرغوبهم إليه، أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر، وأما الحر فلأن الخطاب بالقرآن أول ما وقع مع أهل الحجاز، والوقاية من الحر أهم عنده لأن الحر في بلادهم أشد من البرد.

[561] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ) [النحل: 83] مع أن كلهم كافرون؟

قلنا: قال الزمخشري: الأحسن أن المراد بالأكثر هنا الجمع، وفي هذا نظر؛ لأن بعض الناس لا يجوز إطلاق اسم البعض على الكل؛ لأنه ليس لازما له بخلاف عكسه.

[562] فإن قيل: ما فائدة قول المشركين عند رؤية الأصنام رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ) [النحل: 86] والله تعالى عالم بذلك؟

قلنا: لما أنكروا الشرك بقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: 23] عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) [النحل: 86] أي قد أقررنا بعد الإنكار وصدقنا بعد الكذب طلبا للرحمة وفرارا من الغضب، فكان هذا القول على وجه الاعتراف منهم بالذنب لا على وجه إعلام من لا يعلم.

الثاني: أنهم لما عاينوا عظيم غضب الله تعالى وعقوبته قالوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) [النحل: 86] رجاء أن يلزم الله الأصنام ذنوبهم؛ لأنهم كانوا يعتقدون لها العقل والتمييز فيخف عنهم العذاب.

(1) ( [559] ) البيت للمثقب العبدي. وهو في الخزانة 4/ 429. وشرح ابن الأنباري للمفضليات 574. وديوان المثقب العبدي.

والبيت من الشواهد في كتب النحو والصرف وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت