قلنا: قد جاء في تفسير المكلّب أيضا أنه المضري للجارح والمغري له فعلى هذا لا يكون تكرارا، وعلى القول الأول يكون إنما عمم ثم خصص فقال مكلبين بعد قوله: وَما عَلَّمْتُمْ) [المائدة: 4] ؛ لأن غالب صيدهم كان بالكلاب، فأخرجه مخرج الغالب الواقع منهم.
قلنا: فيه إضمار وتقديره: مصيد ما علمت من الجوارح، يؤيده ما في تمام الكلام من قوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 4] .
[214] فإن قيل: المؤمن به هو الله لقوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) [البقرة:
136]فالمكفور به يكون هو الله أيضا، ويؤيده قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) [البقرة: 28] وإذا ثبت هذا فكيف قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ) [المائدة: 5] مع أنه لا يصح أن يقال آمن بالإيمان فكذلك ضده؟
قلنا: المراد به: ومن يرتد عن الإيمان يقال كفر فلان بالإسلام إذا ارتد عنه، فكفر بمعنى ارتد؛ لأن الردة نوع من الكفر، والباء بمعنى عن، كما في قوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) [المعارج: 1] وقوله تعالى: (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59] .
وقيل: المراد هنا بالإيمان المؤمن به تسمية للمفعول بالمصدر، كما في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) [المائدة: 96] ، أي مصيده، وقولهم: ضرب الأمير، ونسج اليمن.
[215] فإن قيل: كيف قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [المائدة: 9] ولم يقل: وعملوا السيئات؛ مع أن الغفران يكون لفاعل السيئات لا لفاعل الحسنات؟
قلنا: كل أحد لا يخلو من سيئة صغيرة أو كبيرة، وإن كان ممن يعمل الصالحات وهي الطاعات، والمعنى: أن من آمن وعمل الحسنات غفرت له سيئاته.
قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ) [هود: 114] .
[216] فإن قيل: كيف قال في آخر قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) [المائدة: 12] الآية، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) [المائدة: 12] مع أن الذي
كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل؟
قلنا: نعم ولكن الضلال بعد ما ذكر من النعم أقبح؛ لأن قبح الكفر بقدر عظم النعم المكفورة، فلذلك خصه بالذكر.