فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 403

فكيف يصح الاستثناء في قوله تعالى: (إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) [هود: 107] ؟

قلنا: قال الفراء «إلا» هنا بمعنى غير وسوى، فمعناه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [هود: 107] سوى ما شاء الله تعالى من الخلود والزيادة؛ فكأنه قال: خالدين فيها قدر مدة الدنيا غير ما شاء الله من الزيادة عليها إلى غير نهاية، وهذا الوجه إنما يصح إذا كان المراد سماوات الدنيا وأرضها. قال ابن قتيبة: ومثله في الكلام قولك: لأسكننك في هذه الدّار حولا إلا ما شئت، يريد سوى ما شئت أن أزيدك على الحول.

الثاني: أنه استثناء لا يفعله كما تقول: لأهجرنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك على هجرانه أبدا وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، إلا ما شاء ربك وقد شاء أن يخلدوا فيها.

قال الزجاج: وفائدة هذا الاستثناء إعلامنا أنه لو شاء أن لا يخلدهم لما خلدهم، ولكنه ما شاء إلا خلودهم.

الثالث: أنه استثناء لزمان البعث والحشر والوقوف للعرض والحساب، فإن الأشقياء والسعداء في ذلك الزمان كله ليسوا في النار؛ ولا في الجنة.

الرابع: أن «ما» بمعنى من، والمستثنى من يدخل النار من الموحدين فيعذب بقدر ذنوبه ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من الأشقياء فقط.

الخامس: أن المستثنى زمان كون أهل الأعراف على الأعراف قبل دخولهم الجنة، وهذا الوجه يختص بالاستثناء من السعداء، لأنهم لم يدخلوا النار؛ لأن مصيرهم إلى الخلود في الجنة.

السادس: أنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، الأشقياء لا يخلدون في عذاب النار بل يعذبون بالزمهرير وغيره من أنواع العذاب سوى النار وهو سخط الله عليهم فإنه أشد، وكذلك السعداء لهم سوى نعيم الجنة ما هو أجل منها، وهو الزيادة التي وعدهم الله تعالى إياها بقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس: 26] ورضوان الله كما قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة: 72] وقوله تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: 17] فهو المراد بالاستثناء، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى، بعد ذكر الاستثناء: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) [هود: 107] وقوله تعالى بعد ذكر السعداء: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: 107] ، يعني أنه يفعل بأهل النار ما يريد من أنواع العذاب، ويعطي أهل الجنة أنواع العطاء الذي لا انقطاع له، فاختلاف المقطعين يؤكد صرف الاستثناء إلى ما ذكرنا، فتأمل كيف يفسر القرآن بعضه بعضا.

[470] فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (غَيْرَ مَنْقُوصٍ) [هود: 109] بعد قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت