نوره مائة بحر من نور، ومن أجله خلق الروح الطاهرة ومن أجله خلق الدنيا، ولم يكن لخلقه من مقصود سواه، ولا وجود لمن هو أطهر ذيلا منه، وأول ما بدا من عالم الغيب، كان نوره الطاهر بلا أدنى ريب، وبعد ذلك أصبح نوره خير علم، فبدا من بعده العرش والكرسي واللوح والقلم، فالعالم ما هو إلا علم من نوره الطاهر، وآدم وذريته ما هم إلا علم آخر منه، ولكن ما أن بدا نور الله الأعظم حتى خر ساجدا أمام الخالق وقضى القرون ساجدا، ووقف سنوات وأعمارا راكعا، فكان مشغولا طوال سنوات بالقيام، حيث قضى عمره كله في الصلاة والتشهد بالتمام، ومن الصلاة وضح نور تلك البحار الزاخرة بالأسرار، فكان فرض الصلاة على جميع البشر.
هذا النور جعله الحق بمثابة الشمس والقمر، بل جعله بلا قرين إلى الأبد، وفجأة فتح أمام بحر الحقيقة طريقا ظاهرا إلى ذلك النور، فما أن رأى بحر الأسرار ذلك النور، حتى هاج تيها ودلالا. ومن شدة الطلب دار حول نفسه سبع دورات، فظهرت الأفلاك السبعة الدوارة، وتحولت كل نظرة صوبت إليه من الحق، إلى كوكب بدا في الأفق ساطعا، بعد ذلك استقر ذلك النور الطاهر، حيث أصبح العرش العالي، واتخذ اسم الكرسي. ثم طلب العرش والكرسي أن يكونا صورة لذاته، ثم ظهرت جميع الملائكة من صفاته.
ومن أنفاسه ظهرت الأنوار، كما وضحت الأسرار في قلبه المفعم بالأفكار، وسر الروح من عالم فكره وكفى، إذ نفخ الله تعالى فيه نفخة من روحه [1] ، وعندما اجتمعت تلك الأنفاس بتلك الأسرار، انبثقت
(1) وذلك إشارة إلى قوله تعالى: «الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفح فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون» (السجدة، آية: 97)