أيتها الطير، إنني بلا أدنى ريب مريد الحضرة ورسول الغيب، جئت مزودا من الحضرة بالمعرفة، جئت وقد فطرت على أن أكون صاحب أسرار، ومن نقش اسم الله على منقاره ليس ببعيد أن يدرك المزيد من الأسرار. إنني أعيش نهب همومه زمنا طويلا، ولا صلة لي بأي إنسان، إذ عندما أكون مشغولا بآلام الملك لا يمكن أن يصيبني من الجند أي
ألم. وبفضله أدرك الماء في باطن الأرض [1] ، وأدرك المزيد من الأسرار.
إنني تحدثت مع سليمان كثيرا، فلا جرم أن أكون مقدما على خيله.
والعجيب أن كل من غاب عن حضرته، لم يسأل عنه ولم يبعث في طلبه، ولكن إن غبت عنه لحظة، أرسل من يطلبني في كل مكان. وهو لا يصبر عني برهة، فحسب الهدهد إلى الأبد تلك المنزلة، وقد حملت رسالته ورجعت إليه ثانية، كما أطلعني على أسراره الخفية، فكل من كان مرغوبا من الرسول، زين التاج مفرقه. وكل من ذكره الله بالخير كيف يشق غباره أي طائر؟
كم قضيت السنين أجوب البر والبحر، وكم أصابني قطع الطريق بالاضطراب والدوار. قد جبت الوادي والجبل والقفار، كما طوفت العالم في عهد الطوفان. وسافرت كثيرا مع سليمان، كما جبت عرصات العالم، فعرفت ملكنا، ولكني لا أستطيع السير إليه وحدي، فإذا صحبتموني في سفرتي، أصبحتم أصفياء ذلك الملك وجلساء عتبته.
فاطرحوا عنكم معرة الغرور والهوى، وتخلصوا كذلك من آلام كفركم وهمومه. وكل من يملك روحا تسارع بالتخلص من النفس يكون في طريق الأحبة بريئا من الحسن والقبح.
انثروا الأرواح وسيروا في الطريق، وامضوا قدما نحو تلك الأعتاب، فلنا ملك بلا ريب يقيم خلف جبل يقال له جبل قاف. اسمه «السيمرغ» ملك الطيور، وهو منا قريب، ونحن منه جد بعيدين،
(1) يقال إن الهدهد يرى الماء في باطن الأرض فقد ورد في الخبر أن أبا حنيفة سأل الصادق:
كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فضحك أبو حنيفة، وقال: وكيف لا يرى الفخ في التراب، ويرى الماء في بطن الأرض؟ قال يا نعمان، أما علمت أنه إذا نزل القدر عمى البصر. (تعليقات حسن قاضي طباطبائي: نسخة منطق الطير 1347ش، ص 303 304) .