مقره يعلو شجرة عظيمة الارتفاع، ولا يكف أي لسان عن ترديد اسمه.
تكتنفه مئات الألوف من الحجب، بعضها من نور، وبعضها من ظلمة، وليس لفرد في كلا العالمين مقدرة حتى يحيط بشيء من كنهه، إنه الملك المطلق، المستغرق دائما في كمال العز، ولكن كيف يطير الفهم إلى حيث يوجد؟ وكيف يصل العلم والعقل إلى حيث يوجد؟ لا طريق إليه، حتى ولو كثر المشتاقون من الخلق إليه، وإذا كان وصفه بعيدا عن فعل الروح الطاهرة نفسها، فليس للعقل قدرة على إدراكه، فلا جرم أن يحار العقل، كما أن الروح تحار عن إدراك صفاته، وهكذا تعمى الأبصار. ما أدرك عالم كماله، وما رأى بصير جماله، ولا طريق لكماله بين البشر، وقد توقف الحجا، فلا سبيل للنظر.
إن تجمع أنصبة الخلق من ذلك الكمال وهذا الجمال، فلن تزيد جميعها عن قبضة من خيال. فكيف يمكن سلوك الطريق اعتمادا على الخيال؟ وأنى لك الوصول إلى القمر على ظهر سمكة إن مئات الألوف من الرؤوس تصير كرات هناك، وما أكثر العويل والصراخ هناك. وفي طريقه تكثر البحار والقفار، فلا تظن أن الطريق قصير، بل يلزم رجل شجاع جسور لهذا الطريق، وذلك لأنه طريق طويل وبحر عميق عميق
ولأننا حيارى أمامه فسنسلك الطريق متعثرين، فإن أدركنا منه علامة، فهذا هو العمل، وإلا فبدونه تعتبر الحياة عارا وكلها خلل، ولكن كيف يتأتى للروح أن تعمل دون الأحبة، فإن كنت رجلا، فلا تكن روحك بلا أحبة، ولسلوك هذا الطريق تلزم الشجاعة، ونثر الروح ضرورة لهذه المنزلة الرفيعة، فواجب عليك أيها الشجاع أن تتخلى عن الروح، حتى يمكن القول بأنك خليق بالعمل، فالروح لا تساوي شيئا إن كنت بلا أحبة، فكن كالرجال وانثر روحك الغالية، وإن تنثر الروح متشبها بالرجال فما أكثر ما سينثره عليك الأحبة من الأرواح.