وأخيرا ضاع منه كل ما كان يملكه، وأفعم قلبه بالدخان من نار
عشقه، وهكذا استولى عشق الفتاة على قلبه، كما سفك كفر غدائرها دم إيمانه، فتخلى الشيخ عن الإيمان، واختار المسيحية، كما باع العافية واشترى المسكنة، وسيطر العشق على قلبه وروحه، حتى سئم قلبه، ومل روحه، ثم قال عندما فقد دينه: أين القلب؟ إن عشق الفتاة المسيحية أمر مشكل صعب!
وعندما رآه مريدوه متأوها، أدركوا أن الواقعة قد وقعت، وتحيروا جميعا في أمره، وتملكهم الاضطراب والهم بسببه، فأكثروا من نصحه، ولكن دون جدوى، فلما وقع ما هو واقع، لم يكن له دافع. وكل من نصحه، لم يطعه، وذلك لأن ألمه لا علاج له. وكيف يطيع العاشق الولهان الأمر؟ والداء العضال، كيف يستجيب لأي دواء؟
هكذا قضى الشيخ نهاره الطويل حتى المساء، شاخصا بصره حيرة، وفاغرا فاء حسرة، وكل مصباح أضاء تلك الليلة، استمد الشرارة من قلب ذلك الشيخ المهموم، وقد تضاعف عشقه مائة مرة تلك الليلة، فلا جرم ان فقد نفسه مرة واحدة، ونفض قلبه من نفسه ومن العالم، كما نثر التراب على رأسه، وظل في حزن دائم. وما كان ينام أو يقر له قرار لحظة، وارتجفت أوصاله من العشق، وكان يتأوه ويقول:
يا رب، ألا لليلتي من نهار؟ ألا لشمع الفلك من اشتعال؟ قد قضيت الليالي الطوال في رياضة، وما رأى أحد قط ليالي مثلها، ومن الاحتراق كالشمع فقدت كل قوة، وما عاد بكبدي من ماء غير دماء القلب، وأصبحت كالشمعة أقتل بالإشعال والإحراق، لذا أحرق بالليل، وأقتل بالنهار. لقد قضيت الليلة أقاسي أهوال القتال، وغرقت من رأسي إلى قدمي في خضم الدماء، وفي كل لحظة تعرض لي مئات الأهوال، ولا أعلم متى يشرق صبحي؟ وكل من مني بمثل تلك الليلة ذات مرة، أصبح شغله الشاغل في ليله ونهاره إحراق كبده. وكثيرا ما
قضيت النهار والليل في لوعة، ولكن تلك الليلة كأنها يوم هلاكي، بل كأنني كنت قد خلقت ذات يوم، من أجل تلك الليلة، فيا إلهي، ألا لليلتي هذه من نهار؟ ألا لشمع الفلك من اشتعال؟