ذهب الرجل لما ألم به من مسرة، وصاح فامتلأت السماء جلبة، وأخبر جميع الرفاق وبشرهم، وعزم على قطع الطريق، فسار بأصحابه منتحبا مهرولا، حتى أدركوا الشيخ لدى الخنازير، فرأوا الشيخ مسرورا وسطها، وكالنار لا يقر له قرار بينها، وكان قد طرح الناقوس من فمه، كما كان قد قطع الزنار من حول وسطه، وألقى عمامة الشرك، كما طهر قلبه من المسيحية.
ما أن رأى الشيخ رفاقه من بعيد، حتى رأى نفسه يتوسط لجة من نور، وخجلا مزق الرداء الذي كان يرتديه، وبيد العجز والذلة نثر التراب على رأسه، وكان أحيانا يذرف دمعا داميا كالمطر، وأحيانا ينفض يده من روحه الزكية، وكانت حجب الفلك تحترق بآهاته، كما كانت دماؤه تحترق حسرة على ما أصاب جسده، وعادت إليه دفعة واحدة كل ما ضاع منه من حكمة وأسرار وقرآن ومعرفة، عادت كلها إلى ذاكرته جملة، وتحرر من الجهل والذلة ثانية، وما أن اطلع على حاله، حتى خر ساجدا منتحبا، وتخضب كالوردة بدماء قلبه، وتصبب عرقا من شدة خجله.
لما رآه أصحابه على هذه الحال، أخذوا بما أصابه من هموم وسرور، فساروا صوبه حيارى، ونثروا أرواحهم شكرا لله. وقالوا للشيخ: يا من تكشفت الحجب أمامك، لقد انقشع السحاب ثانية من أمام شمسك، وولى الكفر من طريقك، وحل الإيمان، وانقضت عبادة أصنام الروم، واستقرت عبادة الرحمن، وتحركت أمواج بحر القبول، حيث أصبح شفيعك الرسول. فوجب شكر عالم العالم في هذا الزمان، فاشكر الحق، فما أقساه من موقف محزن. والمنة لله، إذ أوجد وسط بحر القار، طريقا واضحا كالشمس، ومن يعرف كيف يجعل الظلمة نورا، يعرف كيف يمنح التوبة للمكثرين الذنوب، إذ عندما يشعل نار التوبة، فإنها تحرق كل الذنوب ولا تذر.