فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 454

رحل الجميع من بلاد العرب إلى الروم، وظلوا معتكفين مختفين طوال الليل والنهار، ولزم كل واحد أعتاب الحق يكثر من التضرع

أحيانا، ومن النحيب أحيانا، وظلوا هكذا أربعين يوما وليلة بالتمام، ولم يشيحوا مطلقا عن أول مقام، وقضوا الأربعين ليلة دون نوم أو طعام وكذا الأربعين يوما دون خبز أو ماء، ومن تضرع هؤلاء القوم الأطهار، أصيب الفلك بالهياج والغليان، وارتدى الملائكة في هبوطهم وصعودهم لباس المأتم الأزرق.

وفي نهاية الأمر أصاب سهم دعاء ذلك المقدام هدفه، فبعد أربعين ليلة كان ذلك المريد الطاهر، يقيم في الخلوة ومن نفسه قد تطهر. وفي الصباح هبت عليه ريح مسكية، فانكشفت الدنيا أمام قلبه واضحة جلية، ورأى المصطفى مقبلا كالبدر، وقد أسدل على صدره ذؤابتين سوداوين، وكان ظل الحق باديا في شمس وجهه، كما كانت كل مائة روح دنيوية تساوي شعرة واحدة منه، جاء متهاديا في مشيته متبسما، فكان يفني نفسه فيه كل من رآه، وعندما رآه ذلك المريد قفز من مكانه قائلا: أعنّي يا رسول الله وخذ بيدي، يا هادي الخلق بمشيئة الله، لقد ضل شيخنا الطريق، فاهده.

قال المصطفى: يا من يتصف بعلو همته تقدم، قد خلصت شيخك من ربقته. ولتجعل الهمة العالية شغلك ولا تنطق بحرف حتى تمثل أمام شيخك، لقد كان يفصل الشيخ عن الحق من زمن مديد، غبار ذو سواد شديد، فرفعنا هذا الغبار من طريقه، وما تركناه وسط ظلمته، ومن أجل الشفاعة نثرت قطرات ندى كثيرة على كل زمانه. والآن وقد تلاشى الغبار من طريقه، وحلت التوبة، وولت المعصية، فاعلم يقينا أن مائة عالم من المعصية، تتلاشى من الطريق أمام زفرة توبة واحدة، وإذا تحركت أمواج بحر الإحسان، فإنها تمحو ذنوب الرجال والحسان.

قال (المصطفى) له هذه الكلمات القليلة عن شيخه، ثم اختفى من أمام نظره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت