فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 454

ما أن سمع المريد تلك الواقعة، حتى اربد وجهه، وانهمر في البكاء بحرقة، وقال للمريدين: أيها الفسقة الفجرة، يا من لا تشبهون في الوفاء الرجال أو النسوة، إن الرفيق الحق واحد بين مائة ألف صديق، وفي مثل هذا اليوم يظهر أثر هذا الرفيق، فإن كنتم رفاق شيخكم، فلم لم تبذلوا له عونكم؟ فليصبكم الله بالخجل، أهذا آخر الرفقة؟ أهذا هو الإنصاف والمحبة؟ عندما وضع ذلك الشيخ يده على الزنار، كان يجب على الجميع عقد الزنار، ولم يكن من الواجب الإفلات من جانبه عمدا، بل كان واجب الجميع أن يكونوا نصارى، فليست هذه هي الصحبة والوفاق، بل ما فعلتموه كان عين النفاق، فمن كان مخلصا للصديق، عليه أن يحافظ على صداقته، حتى ولو أصبح كافرا، ففي وقت الشدة يعرف الصديق، أما في وقت السعادة فللإنسان ألف صديق، ولكن

عندما سقط الشيخ في فم التمساح، هرب الجميع خوفا من المعرة، إن للعشق أساسا من سوء السمعة، وعديم التجربة من ينكر هذا.

قال الجميع: لقد قلنا له كل ما قلته، مرات ومرات بل قلنا أكثر منه، وعزمنا على أن نظل جميعا معه، لنقضي العمر نشاركه فرحه وغمه، ونبيع الزهد ونشتري الفضيحة، كما نطرح ديننا جانبا ونختار المسيحية.

ولكن رأى شيخنا المجرب، أن نبتعد عنه كلية فعندما لم يجد من صحبتنا أي نفع له، سارع بإبعادنا عنه، فرجعنا جميعا امتثالا لأمره، وها قد ذكرنا القصة، ولم نخف شيئا من سره.

بعد ذلك قال للأصحاب ذلك المريد، أما كان لعملكم من مزيد؟ لا مكان لكم سوى أعتاب الحق، فكان الواجب أن تكونوا في حضور دواما، كما كان الواجب أن يتسابق كل واحد منكم في التضرع إلى بارئكم، فما أن يراكم الحق لا يقر لكم قرار، فسرعان ما يرد عليكم شيخكم بلا انتظار، فإن كنتم قد تحررتم من شيخكم، فلم رجعتم عن باب خالقكم؟

ما أن سمع الجميع القول، حتى طأطأ الجميع الرؤوس من العجز، فقال أحدهم: أي فائدة من الخجل الآن، لقد وقعت الواقعة، فهيا ننهض مسرعين، علينا بأن نلزم أعتاب الحق، وننثر التراب تضرعا، وعلينا أن نرفع ضراعتنا، حتى نصل في النهاية إلى شيخنا.

رحل الجميع من بلاد العرب إلى الروم، وظلوا معتكفين مختفين طوال الليل والنهار، ولزم كل واحد أعتاب الحق يكثر من التضرع

أحيانا، ومن النحيب أحيانا، وظلوا هكذا أربعين يوما وليلة بالتمام، ولم يشيحوا مطلقا عن أول مقام، وقضوا الأربعين ليلة دون نوم أو طعام وكذا الأربعين يوما دون خبز أو ماء، ومن تضرع هؤلاء القوم الأطهار، أصيب الفلك بالهياج والغليان، وارتدى الملائكة في هبوطهم وصعودهم لباس المأتم الأزرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت