الألوف من الأزهار، ولا يعلم أحد قط أي خبر عن فمه، حيث لا يمكن التحدث عن المعدوم. وإذا بدا من خلال الحجب، أثارت كل شعرة منه
آلاف الغصص والمصائب، فقد كان ذلك الأمير فتنة للروح والدنيا، حيث كان يفوق كل ما أقوله عنه. وإذا ساق فرسه صوب الميدان، نزع سيفه وحركه في كل اتجاه ومكان، وكل من كان ينظر صوب هذا الأمير، سرعان ما يبعدونه عن الطريق
وكان يوجد شيخ مسكين وله، شغف بالأمير حبا حتى أصابه الوهن، ولم يحظ منه إلا بالعجز والاضطراب، حتى فقدت روحه القدرة على الكلام، ولما لم يجد ملاذا يحميه من تلك الآلام، زرع في قلبه وروحه بذور الغم، فكان يجلس طوال الليل والنهار في محلته، وقد أغلق عينيه عن خلق العالم كله، وظل يبكي دون أن ينطق بحرف واحد عن هذا الغم، وكان يذبل من عدم الأكل والسهد، ولم يكن له أي محرم في هذه الدنيا، لذا كان يجعل همومه طي الكتمان، وأصبح وجهه آناء الليل والنهار في صفرة الذهب، تنساب عليه دموع فضية، وقد جلس منفطر القلب. وهكذا عاش المسكين القلق، لعل الأمير يمر من بعيد من وقت إلى آخر
إذا بدا الأمير من بعيد، امتلأت جميع الأسواق بالصياح والهياج، وثارت في الدنيا مئات الاضطرابات، حيث تدافع الخلق وتدفقوا من كل صوب، فأحاط به الجنود من كل حدب، وسفكوا دماء مائة شخص كل لحظة، وعلت الأصوات من الأرض إلى السماء، واصطف الجنود زهاء فرسخ
ما أن سمع ذلك المسكين صوت القائد، حتى تملكه الاضطراب وتعثرت قدماه، ووقع مغشيا عليه، وثارت أشجانه، وخرج عن وجوده وفقد شعوره، وكم يلزم العين في تلك الآونة مئات الألوف من الدموع، حتى تبكيه بحرقة وتأوه، وكان يذرف الدمع غزيرا كالنيل أحيانا، وتنساب الدموع من عينيه دما أحيانا، وأحيانا تجمد آهته الدموع في
ماقيها، وأحيانا تحرقه دموعه مما به من حسد، لقد أصبح نصف مقتول، نصف ميت، كما فقد نصف روحه، ولم يعد يملك نصف رغيف لما حل به من فقر مدقع. وهذا الشخص قد أصابه ما أصابه بسبب هذا الأمير، ومع أن هذا الجاهل قد أصبح كنصف ذرة من ظل، إلا أنه أراد أن يضم الشمس إلى صدره!