فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 454

ما أن سمع ذلك المسكين صوت القائد، حتى تملكه الاضطراب وتعثرت قدماه، ووقع مغشيا عليه، وثارت أشجانه، وخرج عن وجوده وفقد شعوره، وكم يلزم العين في تلك الآونة مئات الألوف من الدموع، حتى تبكيه بحرقة وتأوه، وكان يذرف الدمع غزيرا كالنيل أحيانا، وتنساب الدموع من عينيه دما أحيانا، وأحيانا تجمد آهته الدموع في

ماقيها، وأحيانا تحرقه دموعه مما به من حسد، لقد أصبح نصف مقتول، نصف ميت، كما فقد نصف روحه، ولم يعد يملك نصف رغيف لما حل به من فقر مدقع. وهذا الشخص قد أصابه ما أصابه بسبب هذا الأمير، ومع أن هذا الجاهل قد أصبح كنصف ذرة من ظل، إلا أنه أراد أن يضم الشمس إلى صدره!

وذات يوم كان الأمير يسير وسط الجند، فصاح المسكين بأعلى صوته، وانطلقت منه الصيحة، وفقد شعوره، وقال: لقد احترقت روحي، كما احترق قلبي من قبل. وكم أردت أن أحرق روحي بسبب ذلك، إذ لم يعد لي صبر أو طاقة أكثر من ذلك

قال المسكين هذا الكلام، وأخذ يدق رأسه بالحجر، مما به من آلام. قال هذا وفقد عقله، ثم سالت الدماء من عينه وأنفه.

وأخيرا فطن قائد جيش الأمير إلى ذلك، وعزم على سفك دمه، واتجه صوب الملك، وقال: لقد وقع فاسق ولهان، في عشق ابنك، أيها السلطان

دهش الملك مما به من غيرة، واضطرب عقله مما به من حرقة، وقال انهض واصلبه على الأعواد، ثم قيده ونكسه

وأخيرا سارع الجيش وتحلق حول المسكين، ودفعوا به نحو الأعواد، فتملك الحزن جمعا من الخلق لما حل به، ولكن لم يكن أحد يدرك مقدار آلامه، كما لم يستطع أحد طلب الشفاعة له. وما أن أحضره الوزير تحت العود، حتى انطلقت منه زفرة عالية مما به من حسرة، وقال: بالله عليك، أمهلني قليلا، حتى أسجد سجدة واحدة تحت المقصلة

أمهله ذلك الوزير الغضوب، حتى وضع وجهه على التراب. وفي

وسط السجدة قال: يا رب، لم يريد السلطان قتلي دون ذنب؟ وإن أكن قد فقدت الروح قبل، فاطلعني ذات يوم على جمال ذلك الغلام. فإن أر ذات مرة وجهه، أقدم مائة ألف روح فداءه، إلهي، إن عبدك المتضرع إليك قد أصبح عاشقا وقتيل أعتابك، وبروحي أصبحت أسير عشقك، وطالما كنت عاشقا، فلست كافرا. إنك تلبي مئات الألوف من الأمنيات، فيسر لي أمري وحقق لي بغيتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت