أمهله ذلك الوزير الغضوب، حتى وضع وجهه على التراب. وفي
وسط السجدة قال: يا رب، لم يريد السلطان قتلي دون ذنب؟ وإن أكن قد فقدت الروح قبل، فاطلعني ذات يوم على جمال ذلك الغلام. فإن أر ذات مرة وجهه، أقدم مائة ألف روح فداءه، إلهي، إن عبدك المتضرع إليك قد أصبح عاشقا وقتيل أعتابك، وبروحي أصبحت أسير عشقك، وطالما كنت عاشقا، فلست كافرا. إنك تلبي مئات الألوف من الأمنيات، فيسر لي أمري وحقق لي بغيتي.
ما أن طلب ذلك المظلوم بالطريق ما به من حاجة، حتى أصاب سهمه الهدف والغاية، فقد سمع الوزير ما كان يخفيه واغتم قلبه لآلام ذلك المسكين، فذهب إلى السلطان وانتجب، وشرح له حال ذلك المسلوب القلب، وتكلم عن تضرعه في المناجاة، كما قال حاجته وسط الصلاة، فاغتم السلطان بسببه وترفق به، وعزم قلبه على العفو، وفي الحال قال السلطان لابنه الأمير:
لا تصد عنك هذا الذي خر صريعا، بل انهض في التو وسر حتى الأعواد، سر إلى ذلك المسكين الحسير، وادع صريعك إليك، ورد عليه قلبه فقد أصبح عاشقك، وتلطف معه فقد تحمل قهرك، واشرب معه العسل فطالما تجرع السم بسببك، وخذ بيده، وامض به صوب روضة، وحينما ترجع فليمثل معك أمامي
ذهب الأمير الشبيه بيوسف في الجمال ليجالس المسكين ويتم الوصال. ذهب ذو الوجه المتقد كالشمس، حتى يكون في خلوة مع ذرة.
ذهب ذلك البحر الغاص بالجواهر ليكون في وصال قطرة، ولكم أن تفرحوا في هذا المقام لما تملككم من سعادة، ولكم أن ترقصوا وتصفقوا لما اعتراكم من مسرة ففي النهاية سار الأمير صوب الأعواد، وهنا ثارت الفتن والغوغاء وكأنه يوم الميعاد، ولكنه وجد أن المسكين قد وهن. وجده وقد نكس رأسه على التراب، فأصبح التراب طينا من دماء عينيه،
وعمت العالم كله الحسرة عليه، لقد أصابه الهزال والضعف والوهن، وأي شي أسوأ من ذلك؟.