فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 454

إذا بدا هذا البدر ذات يوم، ثارت في الحال مائة قيامة، ولن يوجد

من بين البشرية من يكون محبوبا أكثر منه إلى الأبد فلهذا الفتى وجه كالشمس، ولطرته لون المسك الأزفر وكذا رائحته، ومظلة شمسه كانت من المسك، وماء الحياة صادي الشفة بلا شفته، ووسط وجهه الفتان الشبيه بالشمس، فم دقيق في دقة الذرة، وهذا الفم قد فتن الخلق كلهم، وقد أطبق على ثلاثين نجمة بداخله، فكيف تظهر نجمة في الدنيا، وقد اختفت ثلاثون نجمة داخل فمه الدقيق كالذرة؟

أما الطرة فقد انسدلت على ظهر رفيع القدر، انسدلت على ظهره في رفعة وتكبر، وكل طية في طرة ذلك الفضي الصدر، قتلت في لحظة واحدة مئات الأرواح من بني البشر، وكثيرا ما انسدلت طرته على وجهه، فكانت في كل شعرة منها مائة تحفة. وكان له حاجب على شاكلة القوس، ومن ذا يقدر على استخدام هذا القوس؟ وله في مجال الحب عين ساحرة، وقد صنع كل هدب مائة لون من ألوان السحر، وشفته أصل عين ماء الحياة، وهي حلوة كالسكر، وأكثر نضارة من النبات، ومن ذا الذي لم يصب بالجنون من أسنانه؟ ومن ذا الذي حظى من الله بمثل هذه الجواهر؟

ومسك خاله نقطة جيم الجمال، وبسببه يصبح الماضي والمستقبل أسيري الحال، وإن أوقف عمري كله على جمال هذا الفتى الجذاب، فأنى لي أن أصل إلى الإحاطة به؟

وأخيرا ثمل السلطان به، وأصابه العجز من بلاء عشقه، ومع أن السلطان كان عالي القدر والمقام إلا أنه أصبح نحيلا كالهلال لما تحمل من هموم مبعثها ذلك البدر، وهكذا أصبح مستغرقا في حب الفتى، ولم يعد يدرك شيئا من وجوده، وإن لم يمثل الغلام لحظة أمامه أصاب الاضطراب قلبه الوله، ولم يعد يقر له قرار بدونه لحظة، ولا صبر له على هذا الجنون لحظة، وما استراح لحظة بدونه بالنهار أو بالليل، حيث كان مؤنسه الدائم بالنهار وبالليل، فكان يجلسه طوال النهار حتى المساء إلى

جواره، ويحكي لهذا القمري الوجه كل أسراره، وإذا ما نشر الليل الظلام، لم يكن يقر للسلطان قرار أو ينام، أما الغلام فكان ينام أمام السلطان فكان السلطان يرنو إليه بكل إمعان، وهكذا كان ينام ذلك الفتان طوال الليل على ضوء الشموع في حراسة السلطان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت