فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 454

عندما سمع أهل المدينة هذه القصة، عمهم الحزن من أجله، وحضر جمع كبير من النظارة ليروه، ولكن لم يتعرف عليه أحد قط، فقد رأى الجميع لحما غريقا في دمائه، وقد نكس بعد أن سلخ جلده. ومن رآه على هذه الصورة، عظيما كان أم حقيرا ذرف الدموع دما ولكن في

الخفاء، واستمر مأتم ذلك البدر من الصباح حتى المساء وقد عمت الأحزان جميع البلاد، كما زادت الحسرات عليه وكذا الآهات

ولكن بعد عدة أيام قضاها السلطان بلا معشوقه، تملكه الحزن والأسف من فعلته، وضعف غضبه واشتد به العشق، وأصبح الشبيه بالأسد في ضعف النملة من شدة العشق، فقد كان يجالسه طوال الليل والنهار، وكان مع الشبيه بيوسف غاية في السرور، كما كان ثملا على الدوام من شراب الوصل، فكيف يعرف الآن الاستقرار في خمار البحر؟

وهكذا لم يعد يطيق الفراق لحظة، وتفاقم الأمر، واحترقت روحه من ألم الفراق، وأصبح عديم الصبر لا يقر له قرار من الاشتياق، كما سيطر النوم والأسى عليه، وامتلأت عيناه بدمع دموي، ونثر التراب على رأسه، وأخيرا صنع ثوبا أزرق وارتداه، وسيطرت الأحزان والهموم على دنياه، ولم يعد يستسيغ طعاما بعد ذلك أو شرابا، كما تطاير النوم من عينيه جزعا واضطرابا

وعندما أقبل الليل خرج السلطان قاصدا المقصلة وقد تخلى عن الكل، فقد ذهب وحيدا إلى مقصلة الغلام، فهاجته ذكرى ذلك الغلام، وما أن هاجته ذكرى حاله معه واحدة واحدة، حتى أطلقت كل شعرة منه صيحة وآهة، وقد سيطر على قلبه ألم بلا نهاية، حتى كان يعقد مأتما جديدا في كل لحظة، وكم كان يئن ويتوجع على روح الفقيد وكم اكتسى وجهه بالدم من الألم والكمد، وكان يلقي بنفسه وسط تراب الطريق، كما كان يعض من الغيظ ظهر كفه، وإذا قدر وأحصى شخص ما ذرف من دمع، لكان أكثر غزارة من مائة مطر منهمر، وظل يقضي ليلة بأكمله وحيدا حتى الصباح، وكان كالشمعة يعيش بين الدموع والاحتراق

وكلما هبت نسائم الصباح، توجه السلطان صوب أسيره فكان يمضي بين الرماد والأتربة، وتنهال المصائب عليه في كل لحظة، وما أن

انقضت على هذا الحال أربعون ليلة ويوما، حتى أصبح السلطان العالي القدر نحيلا كالشعرة، فقبع على نفسه مشغولا بحاله، وأصبح عليلا من فرط عنايته بأمر معشوقه، ولم يؤت أحد القدرة طوال الأربعين نهارا وليلة، على محادثة السلطان بلفظة، ولكن بعد انقضاء الأربعين ليلة بلا شراب أو طعام، رأى السلطان ذلك الفتى ذات لحظة في المنام، رآه وقد غرق وجهه القمري في الدموع، كما غرق في الدماء من الرأس إلى القدم، فقال له السلطان: أيها الرفيق المنعش للقلب، لماذا غرقت هكذا في بحر الدماء من الرأس إلى القدم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت