فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 454

وكلما هبت نسائم الصباح، توجه السلطان صوب أسيره فكان يمضي بين الرماد والأتربة، وتنهال المصائب عليه في كل لحظة، وما أن

انقضت على هذا الحال أربعون ليلة ويوما، حتى أصبح السلطان العالي القدر نحيلا كالشعرة، فقبع على نفسه مشغولا بحاله، وأصبح عليلا من فرط عنايته بأمر معشوقه، ولم يؤت أحد القدرة طوال الأربعين نهارا وليلة، على محادثة السلطان بلفظة، ولكن بعد انقضاء الأربعين ليلة بلا شراب أو طعام، رأى السلطان ذلك الفتى ذات لحظة في المنام، رآه وقد غرق وجهه القمري في الدموع، كما غرق في الدماء من الرأس إلى القدم، فقال له السلطان: أيها الرفيق المنعش للقلب، لماذا غرقت هكذا في بحر الدماء من الرأس إلى القدم؟

قال: لقد غرقت في الدماء من مودتك، كما أصابني هذا من عدم وفائك، لقد سلخت جلدي دون ذنب أو عصيان، فهل هذا هو الوفاء أيها السلطان؟ وهل هذا ما يفعله الحبيب في النهاية؟ كم أكون كافرا إن يقدم كافر على هذه الفعلة؟ ماذا فعلت حتى تصلبني؟ وماذا فعلت حتى تقطع رأسي وتنكسني؟ والآن أشيح بوجهي بعيدا عنك، وأطلب ديتي حتى يوم القيامة منك؟ وإذا ما انعقدت المحكمة الإلهية من أجلي، فسيأخذ الله منك حقي

ما أن سمع السلطان هذا الخطاب من الشبيه بالقمر، حتى نهض من النوم، وقلبه مفعم بالهم، وسيطر الحزن على روحه وقلبه، وتفاقمت في كل آونة همومه ومشكلته، وألم به الجنون وفقد زمام نفسه، وزاد نحوله، وتضاعف غمه وانخرط في النحيب بكل شدة وحرقة، وقال:

يا روحي، ويا قلبي، ها أنذا خالي الوفاض، لقد دمى قلبي وروحي بسبب ما ألم بك من اضطراب، ويا من قتلت شرقتلة بسببي، ومن بقيت في الشدائد بفعلتي، من ذا حطم نفسه بنفسه مثلي؟ ومن ذا صنع بيده ما اقترفت من فعل؟ لم قتلت معشوقي وأصبحت جديرا بالأحزان والهموم؟ فانظر ما أصابني في النهاية أيها الفتى، ولا تقطع

صلات الود والمحبة، أيها الفتى، ولا تفعل السوء، وذلك لأنني ارتكبت مع نفسي كل هذا السوء. وهكذا تملكتني الحيرة والغم بسببك، كما وضعت التراب على رأسي بسببك، فأين أبحث عنك يا حبيبي؟ لتكن رفيقا بقلبي المضطرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت