صاحب المتن: وَعُزِيَ إِلَى الأَشْعَرِي. وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ اصْطِلاَحِيَةً، حَصَلَ عِرْفَانَهَا بِالإِشَارَةِ وَالْقَرِينَةِ، كَالطِّفْلِ أَبَوَيْهِ.
الشارح: «أو» خلق «العلم الضروري» في بعض العباد بها. والظاهر من هذه الاحتمالات أولها، لأنّه الظاهر في تعليم الله تعالى، «وعُزي» : أي القول بأنّها توقيفية «إلى الأشعري» ، ومحققوا كلامه، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، وغيرهما، لم يذكروه في المسألة أصلًا. واستدل لهذا القول بقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) البقرة: 31 أي الألفاظ الشاملة للأسماء والأفعال والحروف، لأنّ كلًا منها اسم: أي علامة على مسماه، وتخصيص الاسم ببعضها عرف طرأ، وتعليمه تعالى دال على أنه الواضع دون البشر،
المحشي: قوله: «وعزي إلى الأشعري» يقتضي توقفه في نسبته إليه، وقد بينه الشارح بقوله: «ومحققوا كلامه» إلى آخره. قوله: «اسم أي علامة على مسماه» جرى فيه على مذهب الكوفي، ويجوز أن يجري على مذهب البصري، بأن يقال: أي عال بمسماه إلى الذهن. قوله: «وتخصيص الاسم ببعضها عرف طرأ» أي للنحاة، حيث عرّفوه: بأنّه اللفظ المفرد الدّال على معنى في نفسه.
الشارح: «و» قال «أكثر المعتزلة» هي «اصطلاحية» : أي وضعها البشر واحدًا فأكثر، «حصل عرفانها» لغيره منه، «بالإشارة والقرينة كالطفل» ، إذ يعرف لغة «أبويه» بهما، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) إبراهيم: 4، بأي بلغتهم فهي سابقة على البعثة. ولوكانت توقيفية، والتعليم بالوحي كما هو الظاهر، لتأخرت عنها.
المحشي: غير مقترن بزمان، فلا يحمل عليه كلام الله. سلمنا اختصاصه ببعضها، لكن التكلم بالأسماء بجميع المقاصد متعذر، سلمنا أنّه غير متعذر، لكن إذا ثبت توقيف الأسماء ثبت توقيف الباقي، إذ لا قائل بالفرق. قوله: «لغيره» أي لغير الواضع من البشر «منه» أي من الواضع.
قوله: «لتأخرت عنها» : أي واللازم باطل، لئلا يلزم الدور: لتوقف التعليم بالوحي على الإرسال المتوقف عليه، وردّ لزوم الدور: بأنّه يوحى إلى النبي بها فَيَعْلَمُهَا، ثُمّ يُعَلِّمها، ثُمّ يبعث، كما نبّه عليه بَعْدُ بقوله: «فإنّه لا يلزم» إلى آخره.
وحاصله: أنّا لا نسلم أنّ التوقيف بالوحي متوقف على الإرسال، إذ يكفي فيه الوحي والإعلام من الله تعالى.
صاحب المتن: وَالأَسْتَاذُ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ فِي التَّعْرِيفِ تَوْقِيفٌ، وَغَيْرُهُ مُحْتَمَلٌ لَهُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ.
الشارح: «و» قال «الأستاذ» أبو إسحاق الإسفراييني: «القدر المحتاج» إليه منها «في التعريف» للغير «توقيف» ، يعني توقيفي لدعاء الحاجة إليه، «وغيره محتمل له» ، لكونه توقيفيا أو اصطلاحيًا، «وقيل: عكسه» أي القدر المحتاج إليه في التعريف اصطلاحي، وغيره محتمل له وللتوقيفي، والحاجة إلى الأول تندفع بالاصطلاح،
المحشي: قوله: «في التعريف للغير» أي بها. قوله: «وغيره محتمل» تبع في نقله له عن الأستاذ الآمدي، وغيره، و هو الصواب في النقل عنه، فلا تغتر بما في المحصول عنه، في موضع من القول: بأنّ غير المحتاج إليه اصطلاحي. قوله: «أي القدر المحتاج إليه في التعريف اصطلاحي، وغيره محتمل له» ، فسّر عكس ما ذكر بذلك، ليوافق المنقول في المحصول وغيره.
وإلا فعكسه إنما هو القدر المحتاج إليه في التعريف، محتمل للتوقيفي والاصطلاحي، وغيره توقيفي، كما فسّره بذلك بعض الشرّاح منبّها على ما فيه.
قوله: «والحاجة إلى الأول» أي وهو القدر المحتاج إليه في التعريف.
صاحب المتن: وَتَوَقَفَ كَثِيرٌ. وَالْمُخْتَارُ: الْوَقْفُ عَنْ الْقَطْعِ، وَأَنَّ التَّوْقِيفَ مَظْنُونٌ.
الشارح: «وتوقف كثير» من العلماء، عن القول بواحد من هذه الأقوال، لتعارض أدلتها، «والمختار الوقف عن القطع» بواحد منها، لأنّ أدلتها لا تفيد القطع، «وأنّ التوقيف» الذي هو أولها «مظنون» ، لظهور دليله دون دليل الاصطلاح، فإنه لا يلزم من تقدم اللغة على البعثة أنْ تكون اصطلاحية، لجواز أنْ تكون توقيفية، ويتوسط تعليمها بالوحي بين النبوة والرسالة.