الشارح: «النسخ: اختلف في أنَّه رفع» للحكم، «أو بيان» لانتهاء أمده؟ «والمختار» : الأول، لشموله النسخ قبل التمكن، وسيأتي جوازه على الصحيح. والمراد من الأول أنّه: «رفع الحكم الشرعي» أي من حيث تعلّقه بالفعل «بخطاب» . فخرج بالشرعي -أي المأخوذ من الشرع-: رفع الإباحة الأصلية، أي المأخوذ من العقل،
المحشي: مباحث النسخ. قوله «والمختار: الأول، لشموله النسخ قبل التمكن» أي بخلاف الثاني، وأنت خبير بأنّ الثاني كذلك إذْ لابدّ من وجود أصل التكليف، وإنّما يتحقق بالتعلّق، وبيان انتهائه يصدق بانتهائه بعد التمكن وقبله، بل لا يتحقق بين القولين ما يصلح كونه خلافًا معنويًا لتلازمهما، لأنّه إذا رفع تعلّق حكم، فقد بان انتهاؤه، وبالعكس.
نعم الحكم في الأوّل إزالة الناسخ، وفي الثاني انتهى بذاته، لأنّه عند الله مغيًّا بغاية معلومة، والناسخ مبيّن لها. قوله «أي من حيث تعلّقه بالفعل» إشارة إلى دفع الاعتراض بأنّ الحكم قديم، فلا يُرفع، فبيّن أنّ المرفوع إنّما هو تعلّقه التنجيزي الحادث، لا هو نفسه. قوله «أي المأخوذ من العقل» أي عند القائل بها، وهم طائفة من المعتزلة، قائلون: بأنّ ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فالأصل فيه الإباحة على قول، بدليل عقلي، أما الإباحة الأصلية عندنا فإنّها حكم شرعي، بدليل شرعي، هذا، والأوجه أنّ المراد بالإباحة الأصلية: البراءة الأصلية، كما عبّر بها البرماوي، وهي عندنا أيضًا ثابتة بالعقل.
صاحب المتن: فَلاَ نَسْخَ بِالْعَقْلِ، وَقَوْلُ الإِمَامِ: «مَنْ سَقَطَ رِجْلاَه نُسِخَ غَسْلُهُمَا» مَدْخُولٌ.
الشارح: وبخطاب الرفعُ بالموت، والجنونِ، والغفلةِ، وكذا بالعقل، والإجماع.
وذكرهما لينبّهَ ما فيهما بقوله: «فلا نسخَ بالعقل، وقولُ الإمام» الرازي: ««من سَقَطَ رِجلاهُ نُسِخ غَسلُهما» في طهارته»، «مدخولٌ» أي فيه دخلٌ, أي عيبٌ , حيث جَعَل رفعَ وجوبِ الغَسل بالعقل, لسقوطِ محلِّه نسخًا، فإنه مخالفٌ للاصطلاح، وكأنّه توسَّع فيه.
المحشي: قوله «وبخطاب» اعترض عليه: بالنسخ بالفعل، كنسخ «بالوضوء مما مست النار» ، «بأكل الشاة و لم يتوضأ» . وأجيب: بأن الفعل نفسه لا ينسخ، وإنما يدل على نسخ سابق. لكن التفتازاني كغيره، جعله من جملة الأدلة الناسخة، حيث قال في التلويح: «وذكر الدليل ليشمل الكتاب والسنة قولًا وفعلًا» .
قوله «وذكرهما» أي في كلامه الآتي.
صاحب المتن: وَلاَ بِالإِجْمَاع، وَمُخَالَفَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ نَاسِخًا.
الشارح: «ولا» نسخَ «بالإجماع» لأنه إنما يَنعقدُ بعد وفاته «، كما، سيأتي، إذ في حياته الحجَّةُ في قوله، دونَهم. ولا نسخَ بعد وفاته، «و» لكن «مخالفتُهم» أي المجمِعين للنّص فيما دَلَّ عليه «تَتَضمَّنُ ناسخًا» له، وهو مستندُ إجماعِهم.
المحشي: قوله «فيه دخْل» بسكون الخاء، وفتحها: العيب والريبة، قاله الجوهري، قال: «وقوله تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) النحل: 94 أي مكرًا وخديعة.
صاحب المتن: وَيَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ نَسْخُ بَعْضِ الْقُرآنِ تِلاَوَةً وَحُكْمًا، أَوْ أَحَدِهِمِا فَقَطْ.
الشارح: «ويجوز على الصحيح نسخُ بعض القرآن تلاوةً وحُكمًا، أو أحدِهما فقط» .
وقيل: لا يجوز نسخُ بعضِه ككُلِّه المجمع عليه.
وقيل: لا يجوز في البعض نسخ التلاوةِ دون الحُكم، والعكسُ، لأن الحكمَ مدلولُ اللفظ فإذا قدر انتفاءُ أحدِهما لَزِم انتفاءُ الآخِر. قلنا: إنما يلزم إذا رُوعي وصفُ الدلالة, وما نحن فيه لم يُراعَ فيه ذلك, فإنّ بقاءَ الحكم دون اللفظ, ليس بوصف كونِه مدلولًا له, وإنما هو مدلولٌ لما دلَ على بقائه, وانتفاء الحكم دون اللفظ, ليس بوصف كونه مدلوله، فإن دلالته عليه وضعية لا تزول، وإنّما يرفعُ الناسخُ العملَ به.