صاحب المتن: وِنَسْخُ الإِخْبَارِ بِإِيجَابِ الإخبارِ بِنَقِضِهِ، لاَ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ كَانَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ.
الشارح: «و» يجوز «نسخ» إيجاب «الإخبار» بشيءٍ, «بإيجابِ الإخبار بنقيضهِ» , كأن يوجبَ الإخبارُ بقيام زيدٍ, ثم بعَدمِ قيامِهِ قبل الإخبار بقيامه, لجواز أن يتغيّرَ حاله من القيام إلى عدمِه، فإن كان المخبرَ به ممّا لا يتغيّر, كحدوث العالَم, مَنَعت المعتزلة ما ذُكر فيه، لأنه تكليفٌ بالكذب، فينزَّهُ الباري عنه.
قلنا: قد يدعو إلى الكذب غرضٌ صحيحٌ فلا يكون التكليفُ فيه نقصًا، وقد ذَكَر الفقهاءُ أماكنَ يجب فيها الكذبُ منها: إذا طالبه ظالمٌ بالوديعة, أو بمظلومٍ خبّأه, وَجَب عليه إنكاره ذلك، وجاز له الحلف عليه، وإذا أُكره على الكذِب وَجَب. «لا» نسخُ «الخبرِ» أي مدلولُه، فلا يجوز وإن كان ممّا يتغيَّرُ, لأنه يُوِهم الكذبَ, أي يُوقِعه في الوهم, أي الذِهن, حيث يُخبر بالشيء, ثم بنقيضِه، وذلك مُحال على الله تعالى.
المحشي: قوله «ويجوز نسخ إيجاب الإخبار» الخ, لا يخفى أن ذكر الإيجاب فيه مثال، فبقية الأحكام مثله. قوله «فينزه الباري عنه» أي لأن التكليف بالكذب قبيح عقلًا، وهو مبني على قاعدتهم في الحسن و القبح العقليين.
الشارح: «وقيل» في المتغير: «يجوز إن كان عن مُستقبلٍ» لجواز المحوِ لله فيما يُقدِّره، قال تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) الرعد: 39، والإخبار يتبعه بخلاف الخبر عن ماضٍ، وعلى هذا القول البيضاوي.
وقيل: يجوز عن الماضي أيضًا, لجواز أن يقول الله تعالى: لَبِث نوحٌ في قومِه ألف سنةٍ، ثم يقول: لَبِثَ أَلَف سنةٍ إلاّ خمسينَ عامًا، وعلى هذا القول الإمامُ الرازي والآمدي، وكأنّه سَقَّط مِن مبيضةِ المصنف لفظةُ «وقيل» بعد «يجوز» , المفيد ما قبلها حينئذ لحكايته.
المحشي: وقد أبطلناها، فإن قالوا: الكذب نقص، وقبحه بالعقل متفقٌ عليه، فكيف جاز التكليف به؟ قلنا: لا نسلم إطلاق ذلك, لما مرّ عنهم من حسن نافعه، ولو سلم فقبحه باعتبار فاعله، لا باعتبار التكليف به، والمانع عقلًا من أن يبيحه الشرع لغرض المكلف, من جلي مصلحة, أو درء مفسدة, كما أِشار إلى ذلك الشارح. قوله «وذلك محال على الله تعالى» إن قلت: لِمَ كان محالًا عليه تعالى هنا، ولم يكن محالًا عندنا فيما قبله؟ قلت: لأنه هنا راجع إلى خبره تعالى، وفيما قبله إلى خبر المخلوق. قوله «حينئذ» أي حين ثبوت «لفظة وقيل بعد يجوز» .
صاحب المتن: وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِبَدلٍ أَثْقَلَ، وَبِلاَ بَدَلٍ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ، وِفَاقًا للِشَّافِعي.
الشارح: «ويجوز النسخُ ببدلٍ أَثقَّلَ» . وقال بعض المعتزلة: لا، إذ لا مصلحةَ في الانتقالِ من سهلٍ إلى عسرٍ.
قلنا: لا نُسلم ذلك بعد تسليمِ رعايةِ المصلحةِ وقد وَقَع, كنسخِ التخيير بين صومِ رمضان والفديةِ, بتعيُّنِ الصوم كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) البقرة: 184 الخ.
المحشي: قوله «يجوز نسخ ببدل نقل» أي كالمساواة والأخف المتفق عليهما، وسكت عنهما لوضوحهما، مثال المساوي: نسخ توجّه بيت المقدس, بتوجه بتوجه الكعبة، مثال الأخف: نسخ العدة بالحول في الوفاة, بالعدة بأربع أشهر وعشر كما مرّ. قوله «بعد تسليم رعاية المصلحة» في مشروعية الأحكام، وفيه تنبيه بعد تسليمها، على أن الانتقال إلى الأثقل قد يكون أصلح في علمه تعالى نظرًا إلى التوجه إليه، والثواب، كما في السقم بعد الصحة. قوله «قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) البقرة: 184 الخ» ، أي هذه الآية بدون تقرير «لا» فيها قبل (يُطِيقُونَهُ) .
الشارح: «و» يجوز النسخُ «بلا بدلٍ» , وقال بعض المعتزلة: لا، إذ لا مصلحةَ في ذلك. قلنا: لا نُسلم ذلك. «لكن لم يَقَعْ, وفاقًا للشافعي» ?. وقيل: وَقَع كنسخِ وجوب الصدقةِ على مناجاةِ النبي صلى الله عليه وسلم (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) المجادلة: 12 الخ، إذ لا بدَلَ لوجوبِهِ، فرجَعَ الأمرُ إلى ما كان قبلَه, ممّا دلَّ عليه الدليلُ العامُ, من تحريمٍ للفعل إن كان مضرةً, أو إباحةٍ له إن كان منفعةً. قلنا: لا نُسلم أنّه لا بَدلَ للوجوب، بَل بَدَلُه الجواز, الصادقُ هنا بالإباحة والاستحباب.