قوله: «الدافع» صفة لحد الحد، يعني أن الحد عند الأصوليين مرادف للمعرّف الصادق بالحقيقي والرسمي واللفظي.
الشارح: نعم يختصر فيقال: الإيجاب اقتضاء الفعل الجازم، وعلى هذا القياس، وسيأتي حد الأمر باقتضاء الفعل، والنهي باقتضاء الكف. كما يحدان بالقول المقتضى للفعل والكف، فالمعبر عنه هنا بما عدا الإباحة هو المعبر عنه فيما سيأتي بالأمر،
المحشي: ولهذا عرّفوه بالجامع المانع، فهو دافع للاعتراض، بأن الذي عرّف رسوم لا حدود، أي فلا يصح قول المحشي: «وقد عرفت حدودها» ، لأن المميز فيها أي وهو تعلق الاقتضاء بالفعل أو بالترك. وتعلق التخيير، بكل منهما، خارج عن ماهية الحكم، فليس ذاتيا، والحد إنما يكون بالذاتيات.
قوله: «نعم يختصر» استدراك على المصنف بأنه يمكن اختصار حدود الأقسام المذكورة.
قوله «فالمعبر عنه هنا بما عدا الإباحة» إلى آخره، أي فالمعبر عنه بالإيجاب مثلا هو الخطاب المقتضى للفعل اقتضاءًا جازما، أو هو اقتضاء الفعل الجازم، أما المعبر عنه بالإباحة فلم يعبروا عنه صريحا في مبحث الأمر والنهي بشيء.
قوله: «وهناك» أي في مبحث الأمر والنهي.
صاحب المتن: والفَرْضُ وَالوَاجَبُ مُتَرَادِفَانِ، خِلاَفًا لأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ لَفْظِيٌّ.
الشارح: والنهي نظرا هنا إلى أنه حكم، وهناك إلى أنه كلام.
«والفرض والواجب مترادفان» أي اسمان لمعنى واحد، وهو كما علم من حدّ الإيجاب الفعل المطلوب طلبا جازما.
«خلاف لأبي حنيفة» في نفيه ترادفهما، حيث قال: هذا الفعل إن ثبت بدليل قطعي كالقرآن فهو الفرض، كقراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) المزمل: 20 أو بدليل ظني، كخبر الواحد، فهو الواجب، كقراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة. بحديث الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فيأثم بتركها، ولا تفسد به الصلاة بخلاف ترك القراءة.
«وهو» أي الخلاف «لفظي» أي عائد إلى اللفظ، والتسمية إذ حاصله، أن ما ثبت بقطعي كما يسمى فرضا هل يسمى واجبا، وما ثبت بظني كما يسمى واجب هل يسمى فرضا، فعنده لا، أخذا من فرض الشيء بمعنى حَزَّه، أي قطع بعضه، وللواجب من وجب الشيء وجبة: سقط، وما ثبت بظني ساقط من قسم المعلوم.
المحشي: قوله: «إلى أنه كلام» أي ينقسم إلى أمر و غيره.
الشارح: وعندنا نعم، أخذا من فرض الشيء قدره، ووجب الشيء وجوبًا: ثبت، وكل من المقدر والثابت أعم من أن يثبت بقطعي أو ظني.
ومأخذنا أكثر استعمالا. وما تقدم من أن ترك الفاتحة من الصلاة لا يفسدها عنده -أي دوننا- لا يضر في أن الخلاف لفظي، لأنه أمر فقهي لا مدخل له في التسمية التي الكلام فيها.
المحشي: قوله: «ومأخذنا أكثر استعمالا» أي أن استعمال فَرَضَ لغة: بمعنى قدّر، أكثر منه بمعنى حَزَّ، واستعمال وجب: بمعنى ثبت، أكثر منه بمعنى سقط. فاصطلاحنا أولى.
فإن قلت: قد فُرِّقَ عندكم بينهما في الطلاق بأنه لو قال: الطلاق واجب عليَّ، طلقت زوجته، بخلاف: الطلاق فَرْضٌ عليَّ، وفي الحج، بأن الواجب ما يجبر تركه بدم، والركن بخلافه. والفرض يشملهما، فهو أعم من الواجب.
قلت: ذلك ليس للفرق بين حقيقتهما، بل لجريان العرف بذلك في الطلاق، ولاصطلاح آخر في الحج، على أن اللفظين في الطلاق ليسا بالمعنى المراد، بل بالمعنى اللغوي، والتحقيق أن للواجب اصطلاحا: إطلاقين، ما يقابل الركن، وما يأثم تاركه، ويعبر عنه بما يمدح فاعله، ويذم تاركه.