المحشي: لكونها دالة على التخيير بين صوم رمضان والفدية , والفدية فيها «5» منسوخة بتعيين الصوم بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) البقرة: 185، قال ابن عباس: «إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفًا على الولد، فإنها باقية بلا نسخ في حقهما» , كما قال: «إنها ليست منسوخة في حق الشيخ والمرأة الكبيرين» ، على قراءة «يطوَّقُونه» : أي يكلفونه فلا يطيقونه.
قوله « (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) المجادلة: 12» أي قال تعالى: (إِذَا نَاجَيْتُمُ) نظير ما قدمه آنفًا، ويجوز أن يكون بدلًا من «وجوب» أي كنسخ (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) الآية.
صاحب المتن: مَسْألَةٌ: النَّسْخُ وَقِعٌ عِنْد كٌلّ المُسلمين، وسَمَّاه أبو مُسْلمٍ تَخْصِيصًا، فَقِيلَ: خَالَفَ. فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ.
الشارح: «مسألة: النسخُ واقعٌ عند كل المسلمين» ، وخالَفَت اليهودُ غيرّ العيسوية: بعضُهم في الجواز, وبعضهم في الوقوع، واعتَرَف بهما العيسويةُ: وهم أصحابُ أبي عيسى الأصفهاني, المعترفون ببعثةِ نبيِّنا، عليه أفضلُ الصلاة والسلام، لكن إلى بني إسماعيل خاصّةُ وهم العَرَب. «وسمّاه أبو مسلم» الأصفهاني من المعتزلة «تخصيصًا» لأنّه قصرٌ للحكم على بعض الأزمانِ، فهو تخصيصٌ في الأزمانِ كالتخصيص في الأشخاص.
المحشي: مسألة النسخ واقع. قوله في المتن: «فالخلف لفظي» مرتب على قوله: «وسماه أبو مسلم تخصيصًا» , المتضمن لوجود المعنى.
الشارح: «فقيل: خالَفَ» في وُجوده, حيث لم يَذكُره باسمه المشهور. «فالخلُفُ» الذي حكاه الآمدي وغيرهُ عنه مِن نفيِهِ ووُقُّوعَهُ «لفظيٌّ» , لِما تقدَّم من تسميتهِ تخصيصًا الذي فهمه المصنف عنه, المتضمن لاعترافِه به، إذ لا يليق به إنكاره، كيف وشريعةُ نبيّنا صلى الله عليه وسلم، مخالفةٌ في كثير لشريعةِ مَن قبله, فهي عنده مغياةٌ إلى مجيءِ شريعتِه صلى الله عليه وسلم، وكذا كلّ منسوخٍ فيها مغيًّا عنده في عِلم الله تعالى, إلى وُرُودِ ناسخِه كالمغيّا في اللفظِ، فَنَشأ مِن هنا تسميةُ النسخِ تخصيصًا، وصَحَّ أنه لم يُخالِف في وجوده أحدٌ مِن المسلمين.
المحشي: فقوله «فقيل: خالف» لبيان مقابل ما قاله، وإن لم يناسب الترتيب. قوله «الذي فهمه المصنف عنه» صفة لما تقدم، وكذا قوله «المتضمن» ، وحاصله مع ما بعده: أن أبا مسلم لم ينكر النسخ، وأنّه لا يسعه إنكاره, لتأديته إلى إنكار شريعة نبيّنا، كما ذكره الشارح، ومن ثَمَّ أولوا ما نقل عنه من إنكاره له: بأنّه أراد أنه لا يقع في القرآن خاصة، وبأنه لا يقع في الشريعة واحدة، وإن وقع نسخ شريعة بأخرى، واعتمده شيخنا الكمال ابن الهمام في تحريره. قوله «كالمغيا في اللفظ» حاصله: أن أبا مسلم جعل المغيا في علم الله تعالى, كالمغيا في اللفظ, ويسمي الكل تخصيصًا.
صاحب المتن: وَالْمُخْتَارُ: أَنَّ نَسْخَ حُكْمَ الأَصْلِ لاَ يَبْقَى مَعَهُ حُكْمُ الفَرْع، وَأَنَّ كُلَّ حُكمٍ شَرْعِيٍّ يَقْبَلُ النَّسْخَ،
الشارح: «والمختار: أنَّ نسخَ حُكمِ الأصلِ لا يَبْقَى معه حُكمُ الفرعِ» , لاِنتفاء العلة التي ثَبت بها بانتفاء حُكم الأصلِ.
وقال الحنفية: يبقى، لأنّ القياسَ مُظهِرٌ له، ولا مُثبتٌ. وسَلِم في قوله: «لا يبقَى» مِن التسمّحِ, في قولِ بعضهم: «نسخٌ لِحُكم الفرع» .
«و» المختار «أنّ كلّ حُكمٍ شرعيٍ يقبل النسخَ» فيجوز نسخُ كُلِّ الأحكام وبَعضِها, أَيَّ بَعضٍ كان.
المحشي: فسوى بين قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) البقرة: 187 , وبين «صوموا مطلقًا» . مع علمه تعالى بأنه سينزل لا تصوموا ليلًا، والجمهور يسمون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا، فالخلف لفظي.
صاحب المتن: وَمَنَعَ الغَزَالِي نَسْخَ جَمِيعِ التَكَالِيفِ، وَالمُعْتَزِلَةّ: نَسْخَ وُجُوبِ المَعْرِفَةِ. وَالإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الوُقُوعِ.
الشارح: «ومَنَع الغزالي» كالمعتزلة «نسخَ جميعِ التكاليف» , لتوقٌّفِ العلم بذلك المقصود منه, بتقدير وُقوعِهِ على معرفة النسخِ والناسخِ، وهي من التكاليف, ولا يتأتى نسخُها. قلنا: مُسلَّم ذلك, لكن بحصولها ينتهي التكليف بها، فيَصدُق أنه لم يبقَ تكليفٌ، وهو القصدُ بنسخ جميع التكاليف، فلا نزاعَ في المعنى.