ورد: بأن الفائدة في التكليف بما لا يطاق من الاختبار، هل يأخذ في المقدمات، منتفية في تكليف الغافل والملجأ. وإلى حكاية هذا وَرَدِّه، أشار المصنف بتعبيره بالصواب.
المحشي: قوله: «ولا مندوحة» أي سعة يقال لي عن هذا الأمر مندوحة، ومنتدح أي سعة. قاله الجوهري. قوله: «ولا قدرة على واحد من الواجب والممتنع» أي لانتفاء لازمهما من التمكن من الفعل والترك، لأنها صفة بها يتمكن منهما، والتمكن منهما منتف في واجب الوقوع وممتنعه. قوله: «وقيل بجواز تكليف الغافل والملجأ، بناءً على جواز التكليف بما لا يطاق» عبر كثير عن الأول بالتكليف المحال، وعن الثاني بالتكليف بالمحال، والفرق بينهما أن الخلل في الأول في المأمور، وفي الثاني في المأمور به. قوله: «وَرُدّ» إلى آخره، فيه كلام يأتي في مسألة يجوز التكليف بالمحال.
صاحب المتن: وَكَذَا الْمُكْرَه، عَلَى الصَحِيحِ، وَلَوْ عَلَى القَتْلِ،
الشارح: «وكذا المكره» وهو من لا مندوحة له عما أكره عليه، إلا بالصبر على ما أكره به، يمتنع تكليفه بالمكره عليه أو بنقيضه «على الصحيح» ، لعدم قدرته على امتثال ذلك، فإن الفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال، ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه. «ولو» كان مكرها «على القتل» لمكافئه.
المحشي: قوله: «يمتنع تكليفه» أي عقلا. قوله: «أو بنقيضه على الصحيح» لا يعارضه حكاية إمام الحرمين وغيره الإجماع على تكليف المكره بنقيض القتل في صورته، لأنه محمول على التكليف به، من حيث الإيثار، لا من حيث الإكراه، وهو بمعنى ما أجاب به المصنف بعدُ بقوله: «وإثم القاتل لإيثاره نفسه» . قوله: «معه» أي مع الفعل الصادر للإكراه. قوله: «لمكافئه» أي أو لغيره المحترم المفهوم بالأولى، لأنه إذا امتنع التكليف في المكافئ الذي يجب بقتله القود، ففي غيره أولى.
صاحب المتن: وَإثْمُ القَاتِل لإِيثَارِهِ نَفْسِهِ
الشارح: فإنه يمتنع تكليفه حال القتل للإكراه بتركه، لعدم قدرته عليه، «وإثم القاتل» الذي هو مجمع عليه «لإيثاره نفسه» بالبقاء على مكافئهِ الذي خيّره بينهما المكرِِه بقوله: اقتل هذا وإلا قتلتك، فيأثم بالقتل من جهة الإيثار، دون الإكراه. قيل يجوز تكليف المكرَه بما أُكرِه عليه، أو بنقيضه، لقدرته على امتثال ذلك، بأن يأتي بالمكره عليه لداعي الشرع، كمن أكره على أداء الزكاة، فنواها عند أخذها منه. أو بنقيضه، صابرا على ما أكره به، وإن لم يكلفه الشارع الصبر عليه، كمن أكره على شرب الخمر، فامتنع منه صابرا على العقوبة. والقول الأول للمعتزلة.
المحشي: قوله: «للإكراه» صلة «القتل» واللام تعليلية. وقوله «بتركه» صلة «تكليفه» . وقوله «عليه» أي على تركه.
قوله: «على مكافئه» أي على بقائهِ. قوله: «الذي خيّره» أي القاتل صفة للبقاءين من المذكور والمقدَّر، بدليل إتيانه بالعائد مُثنى في قولِه: «بينهما» وصحّ وصف غير المفرد به، لأنه قد يطلق عليه، لأمور ذكرها الزمخشري، وجعل منه قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) البقرة: 17 وقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) التوبة: 69 على أحد الأوجه، ومنه.
الشارح: والثاني للأشاعرة، ورجع إليه المصنف آخرًا، ومن توجيههما يعلم أنه لا خلاف بينهما، وأن التحقيق مع الأول، فليتأمل.
المحشي: قول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم
هم القوم كل القوم يا أم خالد
قوله: «ورجع إليه المصنف آخرًا» أي في كتاب «الأشباه والنظائر» ، فقال: «والقول الفصل أن الإكراه لا ينافي التكليف» . قوله: «ومن توجيههما يعلم أنه لا خلاف بين الفريقين وأن التحقيق مع الأول» ظاهر في نفي الخلاف، وأما «إنّ التحقيق مع الأول» فكأنه نظر فيه إلى رفع الحرج عن المكره، لكن هذا إنما يناسب وقوع التكليف بذلك، لا