الشارح: «يُرْوي» بضم أوله، أي كل عطشان إلى ما هو فيه «ويَمير» بفتح أوّله يعني يشبع كل جائع إلى ما هو فيه من مار أهله: أتاهم بالمير، أي الطعام الذي من صفاته أنّه يشبع، فحذف معمول الفعلين، للتعميم مع الاختصار بقرينة السياق، والمنهل: عين ماء تورد، ووصفه بالإرواء والإشباع كماء زمزم، فإنه يروى العطشان ويشبع الجوعان.
ومن استعمال الجوع والعطش في غير معناهما المعروف -كما هنا- قول العرب: جعت إلى لقائك: أي اشتقت، وعطشت إلى لقائك، أي اشتقت. حكاه الصغاني.
المحشي: والمعنى عليه أنَّه وصف كتابه بأنه ورَد منهلا يروي ويمير، هو قريب من مائة مصنف في الأصول، فَرَوِيَ منه وامتار أي حمل الميرة وشبِع، فشبه الكتب التي استمد منها كتابه بمنهل يروي ويمير من ورده، وإن كان المير إنما يكون من بعض المناه، كماء زمزم، وشَبَّه كتابه لكثرة ما فيه، بمن ورد ذلك المنهل، وكلٌ منهما استعارة تحقيقية، ثم رشحها بذكر الإرواء والمير، وعلى ما قرّره ففي «منهلا يُروي ويمير» استعارة تحقيقية أيضا، حيث استعار لكتابه لما احتوى عليه من قواعد الأصلين، التي يتفرع عليها ما لا يحصى لفظ المنهل، الذي من شأنه أن من ورده نال غرضه منه، ثم رشح الاستعارة بما ذكر.
قوله: «ويمير» : بفتح أوله، يجوز أيضا ضمه من أمار. قوله: «والإشباع» عدل إليه عن تعبيره بالمير، الذي هو مصدر يمير، لأنه المقصود، دون الإتيان بالميرة الذي هو معنى المير.
صاحب المتن: مَعَ مَزِيدٍ كَثِيرٍ.
الشارح: «المحيط» أيضا «بزبدة» أي خلاصة «ما في شرحي على المختصر» لابن الحاجب «والمنهاج» للبيضاوي، وناهيك بكثرة فوائدهما.
«مع مزيدٍ» بالتنوين بضبط المصنف «كثير» على تلك الزبدة أيضا.
المحشي: قوله: «ومن استعمال الجوع والعطش في غير معناهما المعروف» إلخ، أي أمّا معناهما المعروف بالجوع عرض يخلقه الله تعالى عند خلو المعدة من المأكول، والعطش عرض يخلقه الله تعالى عند خلوها من الماء. قوله: «أيضا» زاده هنا تنبيهًا على أن كتابه أحاط بزبدة ما في شرحيه، كما أحاط بزبدة غيرهما من الكتب، المشار إليها بقوله «زهاء مائة مصنَّف» . قوله: «وناهيك بكثرة فوائدهما» صيغة مدح مع تأكيد طلب، مثل: حسبك من رجل، وناهيك من رجل.
قال الجوهري وغيره: «يقال: ناهيك من رجل، ونَهْيُكَ منه، ونُهَاكَ منه وتأويله أنّه بجِدِّهِ وغنائه ينهاك عن تطلب غيره» انتهى. فمعنى كلام الشارح أنهما بكثرة فوائدهما يَنْهَيَانِكَ عن تَطَلُّبِ غيرهما، والباء متعلقة بمحذوف، وهي مع مدخولها خبر ناهيك، بمعنى نهايتك وكفايتك: أي كفايتك حاصلة بكثرة فوائدهما، ويحتمل زيادتها، وخبر ما.
صاحب المتن: وَيَنْحَصِرُ فِي مُقَدِّمَاتٍ ...
الشارح: «وينحصر» جمع الجوامع، يعني المعنى المقصود منه «في مقدمات» بكسر الدال.
المحشي: قبلها مدخولها، أي كافيك كثرة فوائدهما، ويحتمل عكسه، أي كثرة فوائدهما كافيتك.
قوله: «بضبط المصنف» اسنده إليه تقوية لدفع توهم أنه مضاف لِ «كثير» .
قوله: «وينحصر» إلى آخره، هو باعتبار لازمه من تقسيم الكلّ إلى أجزائه، وهو تفصيله وتحليله إليها، فلا يصدق المقسم على أقسامه ضرورة أن الكل لا يحمل على الجزء، من حيث هو جزء، بخلاف تقسيم الكلي إلى جزئياته، فهو هنا ممتنع، وهذا بخلاف انقسام أصول الفقه إلى أنواعه فإنه من تقسيم الكلي إلى جزئياته لا من تقسيم الكل إلى أجزائه.