المحشي: قوله «والمقيد بمتنافيين» الخ جعل منه القرافي وغيره: الترتيب في غسلات ولوغ الكلب، فإنه ورد مطلقًا في إحداهن في رواية، ومقيدًا «بأولاهن في أخرى» ، و «بآخرهن في أخرى. والظاهر أنه ليس منه، لضعف دلالة هاتين بالتعارض، وبالشك الدال عليه رواية الترمذي: آخرهن.
الشارح: أما إذا كان أوَلَى بالتقييد بأحدِهما مِن الآخر، من حيث القياس، كأنْ وجد الجامع بينَهُ وبين مقيده دون الآخر، قُيِّدَ به بناءً على الراجحِ مِن أنْ الحمْل قياسيٌ، فإن قيل: لفظي, فَلاَ.
المحشي: أو قال: أولاهن، ولجواز حمل رواية «إحداهن على بيان الجواز، و «أولاهن على بيان الندب، و «أخرهن على بيان الإجزاء. وبما تقرر علم: أن شرط الحمل فيما إذا اختلف السبب واتحد الحكم: أن لا يتردد المطلق بين مقيدين بمتنافيين، أو يكون أولى بأحدهما من الآخر. ومن شرطه أيضًا أن يكون المقيد صفة، لا ذاتًا: كالإطعام في كفارة الظهار، فلا يحمل عليه كفارة القتل عند تعذر الصوم فيها. وأن يكونا في إباحة إذْ لا تعارض فيها. وأن لا يمكن الجمع بغير الحمل.
قوله «أما إذا كان أولى بالتقييد» الخ، مثاله قوله تعالى في كفارة اليمين (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) المائدة: 89، وفي كفارة الظهار (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) المجادلة: 4، وفي صوم التمتع (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) البقرة: 196.
فحمل المطلق فيه على كفارة الظهار في التتابع، أولى على قول قديم، من حمله على صوم التمتع في التفريق، لاتحاد هما في الجامع بينهما، وهو النهي عن اليمين والظهار.
صاحب المتن: الظَّاهِرُ وَالمُؤَوِلُ: الظَاهِرُ مَا دَلَّ دَلاَلَةً ظَنّيَّةً. والتَّاوِيلُ حَمْلُ الظَّاهِرِ عَلَى المُحَتَمَلِ المَرْجُوحِ. فإِنْ حُمِلَ لِدَلِيلٍ فَصَحِيحٌ، أَوْلِمَا يُظَنُّ دَليلًا فَفَاسِدٌ: أَوْ لاَ لِشَيءٍ فَلَعِبٌ لاَ تَاوِيلٌ. وَمِنَ البَعِيدِ: تَاوِيلُ «أَمْسِكْ عَلَى ابْتَدِئ.
الشارح: «الظاهر والمؤول» : أي هذا مبحثهما. «الظاهرُ: ما دل» على المعنى «دلالةً ظنيةً» أي راجحةً، فيحتمل غير ذلك المعنى مرجوحًا «كالأسد» راجعٌ في الحيوان المفترس، مرجوحٌ في الرجل الشجاع، و «الغائِط» راجحٌ في الخارج المستقذر للعُرف، مرجوحٌ في المكان المطمئنّ الموضوعِ له لغةً أوَّلًا. وخرَجَ النصُّ «كزيد» لأن دلالته قطعية. «والتأويلُ حملُ الظاهر على المحتملِ المرجوحِ. فإنْ حُمل» عليه «لدليلٍ فصحيحٌ، أولِما يُظَنُّ دليلًا» . وليس بدليلٍ في الواقعِ «ففاسدٌ، أو لا لشيءٍ، فلعبٌ لا تأويلٌ» . هذا كله ظاهر.
المحشي: الظاهر والمؤول: سُمي الثاني مؤوّلًا، لأنه يؤول إلى الظهور عند قيام الدليل عليه. قوله «وخرج النص» خرج أيضًا المجمل، لتساوي الدلالة فيه، والمؤول، لأنه مرجوح. قوله «والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح» عدل عن تفسير المؤول المذكور في الترجمة.
الشارح: ثم التأويلُ: قَرِيبٌ يترجّحُ على الظاهر بأدنى دليل نحو (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) المائدة: 6 أي عزَمْتُم على القيام إليها، وبعيدٌ لا يترجَّحُ على الظاهر إلاّ بأقوى منه.
وذَكَر المصنِف منه كثيرًا فقال: «ومن البعيد: تأويل «أَمْسِك» أربعًا «على «ابتدئ» » أي تأويلُ الحنفية قوله «لغيلان بن سلمة الثقفي، وقد أسلم على عشر نسوةٍ: «أمسِك أربعًا وفارِق سائرَهنَّ» رواه الشافعي? وغيره، على «ابتدئ نكاحَ أربع منهنّ» فيما إذا نَكَحَهُنَّ معًا.
المحشي: إلى تفسير التأويل: ليناسب أقسامه الآتية: قوله: «نحو (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) المائدة: 6:» الخ. وجه قرب تأويله بما قاله: أن ظاهره وهو تقييد الوضوء بالقيام إلى الصلاة غير مراد قطعًا، فترجّح حمله على ما قاله.
ونظيره قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) النحل: 98.