قوله: «أما الممتنع لتعلق علم الله بعدم وقوعه فالتكليف به جائز وواقع اتفاقا» هذا مخصص لما يأتي في المسألة الآتية، أو مقيد بالتكليف بالاعتقادات، وما يأتي ثَمَّ مقيد بالفروع. قوله: «دون المحال لغيره» أي بقسمَيْه.
صاحب المتن: وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: كَوْنُهُ مَطْلُوبًا لاَ وُرُودَ صِيغَةِ الطَّلَبِ.
الشارح: «و» منع «إمام الحرمين كونه» - أي المحال - يعني لغير تعلق العلم لما سبق «مطلوبا» : أي منع طلبه من قبل نفسه، أي لاستحالته فهي عنده مانعة من طلبه، بخلافها على القول الثاني، فاختلفا كما قال المحشي: مأخذًا لا حُكما «لا ورود صيغة الطلب» له لغير طلبه، فلم يمنعه الإمام كما لم يمنعه غيره، فإنه واقع كما في قوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) البقرة: 65، والإمام ردد بما قاله فيما نسب إلى الأشعري، من جواز التكليف بالمحال، فحكاه المصنف بشقيه، ولو تركه وذكر الإمام مع من ذكره في القول الثاني -كما فعل في شرح «المنهاج» - فاتته الإشارة إلى اختلاف المأخذ المقصودة له.
المحشي: قوله: «لما سبق» أي من أنّ التكليف بالممتنع، لتعلق علم الله تعالى بعدم وقوعه، جائز وواقع اتفاقًا.
قوله: «من قبل نفسه» أي المحال أي لاستحالته، أو استحالة طلبه.
قوله: «على القول الثاني» أي المنقول عن أكثر المعتزلة.
قوله: «فاختلفا كما قال المصنف» أي في شرح المختصر. «مأخذًا لا حكمًا» أي لأن المأخذ على قول الإمام استحالة المحال أو طلبه.
وعلى القول الثاني عدم الفائدة في طلبه. قوله: «كما في قوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) » البقرة: 65 أي فإن صيغة الطلب فيه إنما وردت لغيره، إذ معناه -كما يأتي الامتهان.
قوله: «والإمام ردّد بما قاله فيما نسب إلى الأشعري» إلى آخره أي ردد الإمام في ذلك بقوله: «إن أريد بالتكليف بالمحال طلب الفعل فهو محال من العلم باستحالة وقوعه، وإن أريد ورود الصيغة فغير ممتنع. قوله: «المقصودةُ» هو بالرفع صفة «للإشارة» .
صاحب المتن: وَالْحَقُّ وُقُوع الْمُمْتَنِع بِالْغَيْرِ لاَ بِالذَّاتِ.
الشارح: «والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات» ، أما وقوع التكليف بالأول، فلأنه تعالى كلف الثقلين بالإيمان وقال: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) يوسف: 103 فامتنع إيمان أكثرهم، لعلمه تعالى بعدم وقوعه، وذلك من الممتنع لغيره وألأما عدم وقوعه بالثاني فللاستقراء، ...
المحشي: قوله: «والحق وقوع الممتنع بالغير» أي بقسميه على ما يأتي، لكن دليله الذي ذكره كغيره بقوله: «أما وقوع التكليف بالأول» إلى آخره، إنما يدل على وقوع التكليف بثانيهما الذي هو محل وفاق، كما مرّ لا على وقوعه بأولهما الذي حكى فيه مع الممتنع بالذات ثلاثة أقوال، فالدليل أخص من الدعوى، لكن قد يقال يدل له ما أفهمه دليل وقوعه بالممتنع بالذات في القول الثاني، لأنّه إذا دلّ على وقوع الممتنع بالذات، فعلى وقوع الممتنع بالغير بالأولى.
قوله: «كلف الثقلين» أي الإنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض.
الشارح: والقول الثاني وقوعه بالثاني أيضًا لأن من أنزل الله فيه أنه لا يؤمن بقوله مثلًا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) البقرة: 6 كأبوي جهل ولهب وغيرهما، مكلف في جملة المكلفين بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون مكلفًا بتصديقه في خيره عن الله، بأنه لا يصدقه في شيء مما جاء به عن الله، وفي هذا التصديق نناففي، حيث اشتمل على إثبات التصديق في شيء، ونفيه في كل شيء، فهو من الممتنع لذاته. وأجيب: بأن من أنزل الله فيه أنه لا يؤمن، لم يقصد إبلاغه ذلك حتى يكلف بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيه، دفعا للتناقض، وإنما قصد إبلاغ ذلك لغيره، وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم به لييأس من إيمانه، كما قيل لنوح عليه السلام: (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) هود: 36، فتكليفه بالإيمان من التكليف بالممتنع لغيره،