لما ساغ كتابتها بخط السور، لمبالغة الصحابة في تجريد القرآن عمّا عداه، ولكتبت أوّل براءة، وما ذكر في الخبر، لا حجة فيه لمن نفى كونها قرآنا، بل قد يحتج به من أثبته، لأن قوله «حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» ، إنْ لم يكن ظاهرا في نزولها قرآنا، فمحتمل يتعين الحمل عليه بالقاطع، وهو الإجماع على كتابتها بخط السور، مع المبالغة في تجريد القرآن عمّا عداه كما تقرر. قوله: «وليست منه أول براءة» إلى آخره، أي بإجماع المسلمين كما قاله النووي في مجموعه.
صاحب المتن: لاَ مَا نُقِلَ آحَادًا عَلَى الأَصَحِّ.
الشارح: «لا ما نقل آحادا» قرآنا كأيمانهما في قراءة: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما» ، فإنّه ليس من القرآن «على الأصح» ، لأنّ القرآن لإعجازه الناس عن الإتيان بمثل أقصر سورة تتوفر الدواعي على نقله تواترا.
وقيل: إنّه من القرآن حملًا على أنه كان متواترا في العصر الأول، لعدالة ناقله، ويكفي التواتر فيه.
المحشي: قوله: «ويكفي التواتر فيه» جوابه منع الاكتفاء بذلك.
صاحب المتن: وَالسَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ، قِيلَ: فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الأَدَاءِ،
الشارح: «و» القراءات «السبع» المعروفة للقراء السبعة: أبي عمرو، ونافع، وابن كثير، وعامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، «متواترة» من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا، أي نقلها عنه جمع، يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم، وهلمّ.
المحشي: قوله: «أي نقلها عنه جمع يتمنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم وهلم» : أي ولايضرّ كون أسانيد القراء آحادًا.
الشارح: «قيل» -يعني قال ابن الحاجب-: «فيما ليس من قبيل الأداء» أي فما هو من قبيله، بأن كان هيئة للفظ يتحقق بدونها.
المحشي: إذ تخصيصها بجماعة لا يمنع مجيء القراءات عن غيرهم، بل هوواقع فقد تلقاها من أهل كل بلد بقراءة إمامهم الجمّ الغفير عن مثلهم وهلم. وإنما نسبت للأئمة ورواتهم المذكورين في أسانيدهم، لتصديهم لضبط حروفها، وحفظ شيوخهم الكمل فيها.
وشرط تواترها مغنٍ كما قال العلامة الحافظ الشمس ابن الجزري عن صحة نقلها، وموافقتها العربية، وخط أحد المصاحف العثمانية، بل قال: «إذا ثبت تواترها وجب قبولها و إن خالفت الرسم» . انتهى. وسيأتي لذلك مزيد بيان.
صاحب المتن: كَالْمَدِّ، وَالإِمَالَةِ، وَتَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَالأَلْفَاظُ الْمُخْتَلِفَةُ فِيهَا بَيْنَ الْقُرّاء.
الشارح: فليس بمتواتر. وذلك «كالمد» الذي زيد فيه متصلا ومنفصلا على أصله، حتى بلغ قدر ألفين في نحو: (جَاءَ) النساء: 43، (وَمَا أُنْزِلَ) البقرة: 4 وواوين في نحو: (السُّوءَ) النساء: 17، (قَالُوا أَنُؤْمِنُ) البقرة: 13 وياءين في نحو: (جِيء) ، (وَفِي أَنْفُسِكُمْ) الذاريات: 21، أو أقل من ذلك بنصف، أو أكثر منه بنصف، أو واحد، أو اثنين، طرق للقراء.
«والإمالة» التي هي خلاف الأصل، من الفتح محضة، أو بين بين، بأن ينحى بالفتحة فيما يمال كَ (الْغَارِ) التوبة: 40 نحو الكسرة على وجه القرب منها، أو من الفتحة.
«وتخفيف الهمزة» الذي هو خلاف الأصل من التحقيق نقلًا، نحو: (قَدْ أَفْلَحَ) المؤمنون: 1 وإبدال نحو: (يُؤْمِنُونَ) البقرة: 3، وتسهيلا نحو: (أَئِنَّكُمْ) الأنعام: 19، وإسقاطا نحو: (جَاءَ أَجَلُهُمْ) الأعراف: 34.
«قال أبو شامة والألفاظ المختلف فيها بين القراء» أي كما قال المحشي: «في أداء الكلمة» ، يعني غير ما تقدم، كألفاظهم فيما فيه حرف مشدّد نحو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) الفاتحة: 5 بزيادة على أقل التشديد من مبالغة أو توسط. وغير ابن الحاجب وأبا شامة، لم يتعرضوا لما قالاه، والمصنف وافق على عدم تواتر الأول، وتردد في تواتر الثاني.