فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 434

المحشي: قوله «لما دلَّ على بقائه» أي من دليل آخر كالإجماع، وأمره صلى الله عليه وسلم برجم ماعز، وغيره, الدالين على بقاء حكم الرجم، فإن قلت: قوله تعالى: (لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ) فصلت: 42 يمنع النسخ في القرآن.

الشارح: قوله «وقيل: لا يجوز نسخ بعضه» أي لا تلاوة ولا حكمًا ولا أحدهما فقط.

قوله «ككله المجموع عليه» أي لا يجوز نسخ كله شرعًا، وإلا فهو جائز عقلًا ما سيأتي من جواز نسخ كل الشريعة، بحمله على جوازه عقلًا، وظاهر أن نسخ حكم جميع السنة كحكم نسخ جميع القرآن.

المحشي: قلنا: الضمير لجميع القرآن، على أنا لا نسلم أن النسخ إبطال، إنما هو رفع تعلق حكم بدليل شرعي لفائدة: كتخفيف، أو ابتلاء للعزم، أو وجوب اعتقاد، أو ثواب تلاوة، أو نحوها وقد حرره التفتازاني، فقال: «ليس المراد بالرفع البطلان، بل زوال ما يظن من التعلق في المستقبل, بمعنى أنه لولا النّاسخ, لكان في عقولنا ظن التعلق في المستقبل, فبالنسخ زال ذلك الظن» انتهى. وبما قررته, عرف الجواب عما يقال: ما فائدة التكليف مع رفعه في قولهم الآتي: يجوز نسخ الفعل قبل التمكن منه، على أن اعتبار فائدة التكليف، مبني على رعاية ظهور الحكمة والمصلحة للعقل في أفعال الله تعالى: وهو إنما يأتي على أصول المعتزلة، وأما عندنا فممنوع كما عرف.

الشارح: وقد وَقَع الأقسامُ الثلاثة: روى مسلم عن عائشة، رضي الله عنها: «كان فيما أُنزل عشرُ رضعاتٍ معلوماتٍ فَنُسِخنَ بِخمسٍ معلومات فهذا منسوخٌ التلاوة والحُكم» . وروى الشافعي وغيرُه عن عمر?: «لولا أن يقولَ الناسُ: زاد عمرُ في كتاب الله، لكتَبْتُها «الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهما أليتة» فإنّا قد قرَاناها. فهذا منسوخ التلاوة دون الحُكم, لأمره صلى الله عليه وسلم، برجم المحصِنين، رواه الشيخان، وهما المرادُ بالشيخ والشيخةِ. ومنسوخُ الحكم دونه التلاوة كثير, منه قولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ) البقرة: 240 , فنُسخ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) البقرة: 234 , لِتأخُّرِهِ في النزول عن الأول كما قال أهل التفسير وإن تقدَّمَه في التلاوة.

المحشي: قوله «عن عمر ? لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها» استشكل: بأنه إن جاز كتابتها فهي قرآن، فتجب مبادرة عمر لكتابتها، لأن قول الناس لا يصلح مانعًا من فعل الواجب، وأجيب: بأن مراده: لكتبتها منبهًا على أن تلاوتها نسخت.

صاحب المتن: وَنَسْخُ الفِعْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ.

الشارح: «و» يجوز على الصحيح «نسخُ الفعلِ قبل التمكُّنِ» منه, بأن لم يَدخُل وقتُه، أو دَخَل ولم يَمضِ منه ما يَسَعه. وقيل: يجوز لعدم استقرار التكليف. قلنا: يكفي للنسخِ وجودُ أصل التكليف فينقطعُ به، وقد وقَعَ النسخ قبل التمكُّن في قصة الذبيح فإن الخليلَ أُمر بذبحِ ابنهِ عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى حكايةً عنه: (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) الصافات: 102 الخ, ثم نسخ ذبحه قبل التمكّن منه, لقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) الصافات: 107، واحتمال أن يكونَ النسخ فيه التمَكِّن خلافِ الظاهر, من حال الأنبياء في امتثال الأمر, من مبادرتهم إلى فعل المأمور به وإن كان موسّعًا.

المحشي: ليكون في كتابتها في محلها الأمن من نسيانها، لكن قد تكتب بلا تنبيه فيقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، فتركت كتابتها بالكلية، وذلك من دفع أعظم المفسدين بأخفهما.

صاحب المتن: وَالنَسْخُ بِقُرآنٍ لِقُرآنٍ وَسُنَّةٍ، وبِالسُّنَّةِ لِلْقُرآنِ.

الشارح: «و» يجوز على الصحيح «النسخُ بقرآنٍ لقرآنٍ وسنةٍ» . وقيل: لا يجوز نسخُ السنةِ بالقرآن لقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل: 44 جعله مُبيِّنًا للقرآن، فلا يكون القرآنُ مبيِّنًا للسنة.

قلنا: لا مانِعَ مِن ذلك لأنهما من عند الله تعالى، قال الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) النجم: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت