فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 434

صاحب المتن: فإن لم تَقلَع لاستلذاذ أو كسلٍ فتَذَكَّرْ هاذِمَ اللَّذَّات وفُجْأَةَ الفَوَات أو لِقُنُوطٍ فَخَفْ مَقْتَ رَبِّك، واذكر سِعَة رحمته.

الشارح:» فإن لم تَقلَع «عن فعل الخاطر المذكور» لاستلذاذ «به،» أو كسل «عن الخروج منه» فتَذَكَّرْ هاذِمَ اللَّذَّات وفُجْأَة الفَوَات «أي تذكَّر الموت وفجأته المفوِّتَة للتَّوْبة وغيرها من الطاعات، فإنَّ تذكُّر ذلك باعِث شَدِيدٌ على الإقلاع عمَّا تستلذُّ به أو تكْسَلُ عن الخروج منه، قال صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّات» رواه الترمذي، زاد ابن حبان: «فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إلاَّ وَسَّعَه، ولا ذَكَرَهُ فِي سِعَةٍ إلاَّ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ» .

و «هاذِمُ» بالذال المعجمة أي قاطع.

» أو «لم تقلع» لِقُنُوطٍ «من رحمة الله تعالى وعفوه عمَّا فعلتَ لشدَّتِه أو لاستحضار عظمِة الله تعالى» فَخَفْ مَقْتَ رَبِّك «أي شدة عقاب مالِكِك الذي له أن يفعل في عبده ما يشاء حيث أضفْتَ إلى الذنب اليأس من العفو عنه، وقد قال تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) -أي رحمته- (إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف: 87،

المحشي: قوله» أو لاستحضار عظمة الله «عبارة غيره: «أو لاستحضار نِقْمَةِ الله» .

الشارح:» واذكر سِعَة رحمته «التي لا يحيط بها إلا هو أي استحضرها لتَرْجِع عن قنوطك، وكيف تَقْنَط وقد قال تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) الزمر: 53 أي غير الشرك لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) النساء: 48، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بِيَدِه لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» رواه مسلم.

المحشي: قوله» حيث ذكرت سعة الرحمة «الأَوْلى: «حيث ذكرت هاذم اللذات، وخِفتَ مقْتَ ربِّك، وذكرت سعة الرحمة» ليرجع غَرَض التوبة إلى الجميع.

صاحب المتن: واعرِضْ التوبةَ ومحاسنَها، وهي النَّدَمُ، وتتحقَّق بالإقلاع، وعَزْم أن لا يعُود، وتدارُك مُمْكِنِ التَّدَارُك.

الشارح:» واعرض «على نفسك» التوبةَ ومحاسنَها «أي ما تتحقَّقُ به من المحاسن حيث ذكرت سعة الرحمة لتتوب عما فعلت فتقبل ويعفي عنك فضلا منه تعالى.

» وهي «أي التوبة» النَّدَمُ «على المعصية من حيث إنها معصية. فالندمُ على شرب الخمر لإضراره بالبدن ليس بتوبة.

» وتتحقَّق بالإقلاع «عن المعصية،» وعَزْم أن لا يعُود «إليها،» وتدارُك مُمْكِنِ التَّدَارُك «من الحقِّ النَّاشئ عنها كحقّ القَذْفِ فيَتَدَاركه بتمكين مستحقِّه مِن المقذُوف أو وارثه ليستوْفِيَه أو يُبْرِئَ منه.

فإنْ لَمْ يُمْكِن تدارك الحق كأن لم يكن مستحقه موجودًا سقط هذا الشرط كما يسقط في توبة معصية لا ينشأ عنها حقّ لآدميّ. وكذا يسقط شرط الإقلاع في توبة معصية بعد الفراغ منها كشرب الخمر. فالمراد بتَحَقُّقِ التوبة بهذه الأمور أنها لا تخرج فيما تتحقق به عنها، إلا أنه لا بد منها في كل توبة.

وفي نسخة: «والاستغفار» عَقِبَ قوله: «بالإقلاع» ولا حاجة إليه مع ما ذكر.

المحشي: قوله» وتتحقَّق «أي التوبة، وتحقُّقُها بما ذكره محلُّه في التوبة باطنًا، أما في الظاهر لتقبل شهادته وتعود ولايته فلا بُدَّ في تحقُّقها مع ذلك في المعصية القولية من القول كقوله في القذف: «قذفي باطل، وأنا نادم عليه، ولا أعود إليه» ، وفي الفعلية كالزنا وفي شهادة الزور وقذف الأبناء من استبراء منه.

قوله» وتدارك ممكن التدارك «أفاد أنّه مُعْتَبَرٌ في التوبة، وهو المعروف عند أئمتنا، وخالف فيه جمع منهم إمام الحرمين في الشامل والآمدي، فقالوا: «ليس مُعْتَبرًا فيها، بل هو واجب برأسه، لا تعلُّقَ لأحدهما بالآخر كمن وجب عليه صلاتان فأتى بإحداهما دون الأخرى» .

قوله» سقط هذا الشرط «في سقوطه فيما ذكره إذا كان حقُّ الآدمي ماليًا نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت