الشارح:» وقال الغزالي والآمدي «: فيما له معنى شرعي، ومعنى لغوي محمله» في الإثبات الشرعي «، وفق ما تقدّم،» وفي النفي «، وعبارتهما: «النهي» ، وعدل عنه - مع إرادته- لمناسبة الإثبات، قال» الغزالي «: اللفظ» مجمل «: أي لم يتضح المراد منه إذ لا يمكن حمله على الشرعي، لوجود النهي، ولا على اللغوي، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات،» و «قال» الآمدي «محمله» اللغوي «، لتعذر الشرعي بالنهي. وأجيب: بأنّ المراد بالشرعي ما يسمى شرعًا بذلك الاسم، صحيحا كان أو فاسدًا، يقال: صوم صحيح، وصوم فاسد، ولم يذكرا غير هذا القسم.
مثال الإثبات منه: حديث مسلم عن عائشة: «دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإنّي إذن صائم» ، فيحمل على الصوم الشرعي، فيفيد صحته، وهو نفل بنية من النهار.
ومثال النهي منه: حديث الصحيحين أنّه صلى الله عليه وسلم: «نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر» ، وسيأتي في مبحث المجمل، خلاف في تقديم المجاز الشرعي على المسمى اللغوي.
المحشي: قوله:» ولم يذكرا غير هذا القسم «أي ما له معنى شرعي ومعنى لغوي، أمّا القسمان الأخيران، وهما ما له معنى شرعي ومعنى عرفي، وما له المعاني الثلاثة فلم يذكراهما.
قوله:» ومثال الإثبات منه «: أي من القسم الذي ذكراه. قوله:» وهو نفل «جملة معترضة، وقوله:» بنية من النهار «متعلّق بِ» صحّته «، ويجوز تعلّقه بـ» نفل «، ويجوز تنازعهما فيه.
صاحب المتن: وَفِي تَعَارُضِ الْمَجَازِ الرَّاجِحِ وَالْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ، أَقْوَالٌ، ثَالِثُهَا: الْمُخْتَارِ مُجْمَلٌ.
الشارح:» وفي تعارض المجاز الراجح، والحقيقة المرجوحة «، بأن غلب استعمال المجاز عليها» أقوال «قال أبو حنيفة: الحقيقة أولى في الحمل لأصالتها، وأبو يوسف: المجاز أولى لغلبته،» ثالثها: المختار «اللفظ» مجمل «، لا يحمل على أحدهما إلاّ بقرينة، لرجحان كلّ منهما من وجه، مثاله: حلف لا يشرب من هذا النهر،
المحشي: قوله:» خلاف في تقديم المجاز الشرعي «: أي في مسماه ليناسب ما بَعدَه. قوله:» ثالثها: المختار مجمل «، لو عبر كغيره: بِ «متساويان» كان أولى، لِمَا يأتي عقبه.
الشارح: فالحقيقة المتعاهدة الكرع منه بفيه، كما يفعل كثير من الرعاء، والمجاز الغالب الشرب بما يغترف منه كالإناء، ولم ينو شيئًا، فهل يحنث بالأول دون الثاني، أو العكس، أو لا يحنث بواحد منهما؟ الأقوال. فإنْ هجرت الحقيقة قدم المجاز عليها اتفاقًا، كمن حلف لا يأكل من هذه النخلة، فيحنث بثمرها دون خشبها الذي هو الحقيقة المهجورة، حيث لا نية، وإنْ تساويا قدمّت الحقيقة اتفاقًا، كما لو كانت غالبة.
المحشي: قوله:» أو لا يحنث بواحدة منهما «: أي بناءً على أنّه مجمل، وهذا قد يوهم لابتنائه على مختار المصنّف إنّه المذهب، وليس مرادًا، بل المذهب: أنّه يحنث بكلّ منهما عملًا بالعرف.
ثُبُوتُ حُكْمِ الْخِطَابِ إِذَا تَنَاوَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ، لاَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ
صاحب المتن: وَثُبُوتُ حُكْمٍ مَثَلًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مُرَادًا مِنْ خِطَابٍ مَجَازًا، لاَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ، بَلْ يَبْقَى الْخِطَابُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، خِلاَفًا لِلْكَرْخِي وَالْبَصْرِي.
الشارح:» وثبوت حكم «بالإجماع» مثلًا يمكن كونه «: أي الحكم» مرادا من خطاب «، لكنْ يكون الخطاب في ذلك المراد» مجازًا، لا يدلّ «الثبوت المذكور» على أنه «: أي الحكم هو» المراد منه «: أي من الخطاب،» بل يبقى الخطاب على حقيقته «، لعدم الصارف عنها،» خلافا للكرخي «- من الحنفية-» والبصري «أبي عبدالله - من المعتزلة- في قولهما: يدلّ على ذلك، فلا يبقى الخطاب على حقيقته إذ لم يظهر مستند للحكم الثابت غيره، مثاله: وجوب التيمم على المجامع الفاقد للماء إجماعًا، يمكن كونه مرادًا من قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) النساء: 43، لكن على وجه المجاز، لأنّ الملامسة حقيقة في الجس باليد مجاز في الجماع، فقالاَ: المراد الجماع، لا تكون الآية مستند الإجماع إذ لا مستند غيرها وإلاّ لذُكر،