صاحب المتن: ورجَّحَ قومٌ التَّوَكُّلَ، وآخرون الاكتسابَ، وثالثٌ الاختلافَ باختلافِ الناسِ، وهو المختارُ.
ومن ثَمَّ قيل: «إرادة التجريد مع داعية الأسباب شهوة خفيَّة، وسلوك الأسباب مع داعية التجريد انحطاط عن الذروة العالية.
الشارح:» ورجَّحَ قومٌ التَّوَكُّلَ «من العبد على الاكتسابِ» وآخرون الاكتسابَ «على التوكلِ أي الكفِّ عن الاكتساب، والإعراضِ عن الأسباب اعتمادًا للقلب على الله تعالى
» وثالثٌ الاختلافَ باختلافِ الناس وهو المختار «.
المحشي: قوله» والإعراض «بالجرّ عطف تفسير على «الكفّ» ، فَسّرَ التوكّلَ بذلك تبعًا لكثيرٍ من الصّوفية، لا بمجرَّد اعتماد القلب على الله تعالى، ولا بما يأتي عن المحقّقين ليتأتى معه المفاضلة بين حالتي الاكتساب وتركه، لأنّ تفسيره بالمعنى الثاني أو بما يأتي عن المحققين لا يُنافي تعاَطي الأسباب.
وقريب ممّا فسَّر به التوكّل قول بعضهم: «التوكّل تَركُ السعي فيما لا تسعه قدرةُ البشر» .
والمحققون على أنّه قطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَن قال له: «أُرسِلُ ناقتي وأتوكّل؟ أو أَعقِلها وأتكَّل؟ اعقِلْها وتوكَّلْ» رواه البيهقي وغيره.
قوله» وثالث «أي ورجّح قائلٌ ثالث الاختلاف باختلاف الناس.
الشارح: فمن يكون في تَوَكُّلِهِ لا يتسَخَّط عند ضيق الرِّزق عليه ولا تستشرف نفسه أي تتطلع لسؤال أحد من الخلق فالتوكل في حقه أرجح لما فيه من الصبر والمجاهدة للنفس. ومن يكون في توكُّله بخلاف ما ذكر فالاكتساب في حقِّه أرجح حذرًا من التَّسخُّط والاستشراف.
» ومِن ثَمَّ «أي من هنا وهو الثالث المختار أي من أجل ذلك» قيل «قولًا مقبولًا» : «إرادة التجريد «عما يشغل عن الله تعالى» مع داعية الأسباب «من الله في مريد ذلك» شهوةٌ خفيةٌ «من المريد،» وسلوكُ الأسبابِ «الشاغلة عن الله تعالى» مع داعية التجريد «من الله في سالك ذلك» انحطاطٌ «له» عن الذروة العالية «» .
فالأصلح لمن قدَّر الله فيه داعية الأسباب سلوكه دون التجريد، ولمن قدر الله فيه داعية التجريد سلوكه دون الأسباب.
المحشي: قوله» قولًا مقبولًا «أشار به إلى أنّ هذا القول ليس ضعيفًا.
قوله» إرادة التجريد مع داعية الأسباب شهوة خفية «أما كونها شهوةً فلعدم وقوف المريد مع مراد الله تعالى حيث أراد لنفسه خلاف ذلك.
وأما كونها خفية فلأنّه لم يَقصد بذلك نيْل حظٍّ عاجل، بل قَصَد التقرُّب إلى الله تعالى ليكون على حالٍ أعلى بزَعْمِهِ.
صاحب المتن: وقد يأتي الشيطان باطِّرَاحِ جانب الله تعالى في صورة الأسباب، أو بالكسل والتماهن في صورة التوكل.
الشارح:» وقد يأتي الشيطان «للإنسان» باطِّرَاحِ جانب الله تعالى في صورة الأسباب، أو بالكسل والتماهن في صورة التوكل «كأن يقول لسالك التجريد الذي سلوكُه له أصلحُ من تركِه له: إلى متى تترك الأسباب؟ ألم تعلم أن تركها يطمع القلوب لما في أيدي الناس؟ فاسْلُكْهَا لتسلم من ذلك وينتظر غيرك منك ما كنت تنتظره من غيرك.
ويقول لسالك الأسباب الذي سلوكه لها أصلح من تركه لها: لو تركتها وسلكت التجريد فتتوكل على الله لصفا قلبك، وأشرق ذلك النور، وأتاك ما يكفيك من عند الله، فاتركها ليحصل لك ذلك، فيجُرَّ به تركها الذي هو غير أصلح له إلى الطلب من الخلق، والاهتمام بالرزق.