المحشي: قوله «كقطعه السارق من الكوع بيانًا لِمَحل القطع» التمثيل به كما يصح على القول المرجوح من أن آية السرقة مجملةٌ، يصح على الراجح من مقابلهِ، إذ المراد هنا بالبيان بيان معنى النص الشامل لما أريد به غير ظاهره، ولفظ «اليد» ظاهر في العضو إلى منكبهِ.
قوله «وغيره» أي غير البيان، وهو الجبلي، والمخصص به صلى الله عليه وسلم لسنا متعبدين به، لكن قال ابن السمعاني: «إن الجبلي دالّ على الإباحة، لأنه القدر المحقق، والحرامُ والمكروه منتفيان» ، وقال الآمدي وغيره: «إنه لا نزاع فيه» ، لكن حكى القرافي في تنقيحه قولًا: «إنه للندب» ، وبه جزم الزركشي، فقال: «أما الجبلي فللندب لاستحباب التآسي به» ، وحكى الأستاذُ أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما: الإباحة، وثانيهما: الندب، وعزاه لأكثر المحدثين.
صاحب المتن: وفيما ترَدَّد بين الجبليِّ والشرعيِّ كالحجِّ راكبًا تَردُّدٌ.
الشارح: «وفيما تردَّد» مِن فِعلِهِ «بين الجبلي، والشرعي كالحج راكبًا تردُّدٌ» ناشئٌ من القولين في تعارض الأصل والظاهر، يحتمل أن يُلحق بالجبلي لأن الأصل عدم التشريع، فلا يستحب لنا، ويحتمل أن يُلحق بالشرعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث لبيان الشرعيات فيستحب لنا.
المحشي: وأما المخصص به فالمراد بكوننا لسنا متعبدين به: أنا لسنا متعبدين به على الوجه الذي تعبّد هو به، وإلا فقد نتعبد نحن به على وجهٍ آخر كالضحى والمشاورة، فإنه تُعبِّد بِهما على وجه الوجوبِ وتُعبِّدْنا بِهما على وجه الندب.
قوله «ناشئٌ من القولين في تعارض الأصل والظاهر» فقضيته -كما قال العراقي- ترجيح الأول، فيكون كالجبلي، قال: «لكن كلام أصحابنا في الحج راكبًا، وجلسة الاستراحة، وغيرها يدلُّ لترجيح الثاني، فيكون للتأسي. -قال- وقد حكى الرافعي وجهين في ذهابه إلى العيد في طريقٍ، ورجوعه في آخر، وقال - إن الأكثرين على التأسي فيه» انتهى.
صاحب المتن: وما سواه إنْ عُلِمت صفتُه فأُمَّتُه مثلُه في الأصحِ، وتُعلَم بنصٍ، وتسويةٍ بِمعلومِ الجهةِ، ووقوعِه بيانًا، أو امتثالًا لِدالٍ على وجوبٍ أو ندبٍ أو إباحةٍ.
الشارح: «وما سواه» أي سوى ما ذُكر في فعله «إن علمت صفته» من وجوب، أو ندبٍ، أو إباحة، «فأمته مثله» في ذلك «في الأصح» عبادة كان أوْ لاَ. وقيل: «مثله في العبادة فقط» ، وقيل: «لا، مطلقًا، بل يكون كمجهول الصفة» . وسيأتي.
«وتُعلَم» صفةُ فعلِه «بنصٍ» عليها كقوله: «هذا واجب» مثلًا «وتسويةٍ بِمعلوم الجهة» كقوله: «هذا الفعل مساوٍ لكذا» في حُكمه المعلوم «ووقوعه بيانًا، أو امتثالًا لِدالٍّ على وجوب، أو ندب، أو إباحةٍ» فيكون حكمه حكم المبين، أو المتمثل.
المحشي: قوله «من وجوبٍ، أو ندبٍ، أو إباحةٍ» سكت عن التحريم والكراهة، لأنهما لم يصدرا عنه صلى الله عليه وسلم كما مرَّ، والكلام إنما هو في الصادر عنه، لا في الفعل المطلق الذي يتعلق به الأحكام الخمسة.
الشارح: ولا إشكال في ذكر «البيان» هنا مع ذكره قبل لأن الكلام هنا فيما يُعلم به صفة الفعل من حيث هو، لا بقيد كونه سوى ما تقدم.
«ويَخصّ الوجوب» عن غيره «أماراتُه كالصلاة بالأذان» لأنه ثبت باستقراء الشريعة أن ما يؤذن لها واجبةٌ بخلاف ما لا يُؤذَّن لَها كصلاة العيد، والاستسقاء
المحشي: قوله «ولا إشكال الخ» جوابٌ عمّا يُقال: إن كلامه هنا فيما سوى البيان بقرينة قوله: «وما سواه» أي وما سوى ما مرّ، والبيان مما مرّ فيصير المعنى: «وما سوى البيان تُعلم صفته بوقوعه بيانًا» وذلك تهافت، وتكرار؟.
وحاصل الجواب: مَنْعُ هذا، لأن «البيان» ذُكر أولًا لِمعرفة حُكم الفعل الواقع بيانًا، وثانيًا لِمعرفة أنّ وقوع الفعل مطلقًا، لا بقيد بكونه سوى ما تقدم بيانًا مما تُعلم به صفته.
صاحب المتن: كونه ممنوعًا لو لم يَجِب كالخِتانِ والحدِّ والنَّدبَ مُجرَّدُ قصدِ القربةِ، وهو كثيرٌ. وإنْ جُهلت فللوجوبِ،